الدور السعودي في نشر التطرف والعنف الدولي
رؤية تحليلية أصولية تاريخية

    مقدمة عن المنهج: إن
السائد في تحليل الحركة الإسلامية هو النموذج الغربي في التحليل على أنها من أشكال الحركات الاجتماعية السياسية. وقد يجدي هذا النمط التحليلي في بحث الظواهر الاجتماعية والسياسية الآنية التي تفتقر إلى جذور تاريخية وأصولية، وقد يجدي أكثر في بحث الظواهر الاجتماعية والسياسية في الغرب حتى ما كان منها متصلاً بالشئون الدينية لأن الشأن الديني هناك جرى عزله في الكنائس بعيداً عن التأثير الفعال في المجتمع، علاوة على أن المسيحية ليست كالإسلام في تشابكه السياسي والاجتماعي مع الحياة اليومية للمسلمين. ولذلك فإن المنهج الغربي في التحليل يكون أصدق في التعبير عن ظروف المجتمع الغربي بقدر كونه أبعد عن ظروفنا كمجتمعات تراثية، خصوصاً حين نبحث ظاهرة دينية لها جذورها التاريخية ولها طبيعتها الفكرية التي جرى استدعاؤها من أعماق الماضي لتصبح حية مؤثرة في الواقع الراهن، وبالتالي فإن من الضروري إجراء التحليل الجذري دينياً وفكرياً وتاريخياً قبل بحث تجلياتها الراهنة وتشابكها مع الواقع السياسي والاجتماعي. ومن الصعب هنا الإحاطة التاريخية والأصولية بجذور الحركة الإسلامية المعاصرة بشقيها الإصلاحي الإسلامي والثوري السلفي، كما أن من الصعب أيضاً مناقشة أفكارها في ضوء القرآن وما كان عليه رسول الإسلام عليه السلام. ولذلك نكتفي بإعطاء فكرة سريعة تتمحور حول الجذور التاريخية والملامح الفكرية.
 
الجزء الأول
الجذور التاريخية للحركة الإسلامية المعاصرة
 
 أولاً: التدين الإسلامي بين الماضي والحاضر:
      في البداية لا بد أن نفرق بين الدين والتدين . الدين لدينا هو الإسلام في كتابه السماوي المنزه عن التحريف والمحفوظ بقدرة الله تعالى إلى يوم القيامة. أما التدين فهو موقف الناس من دين الله تعالى وتعاملهم معه ومدى تطبيقهم له والتزامهم به . الخلط بين الدين والتدين يوقع في أخطاء منهجية وخطايا دينية إذ تحمّل الدين السماوي ـ وهو في الأصل وصايا ومبادئ عالية سامية ـ خطايا البشر وأخطاءهم . بيد أن المسئول عن هذا الخلط بين الدين والتدين والمسئول أيضا عن الإساءة للإسلام وتحميله أوزار المسلمين هم أولئك الأئمة المسلمون في القرون الوسطى الذين نسبوا آراءهم ورؤاهم البشرية إلى الله تعالى ـ مدعين أنها أحاديث قدسية ـ أو نسبوها إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام ـ زاعمين أنها أحاديث نبوية , وزعموا أن ذلك التدين البشرى ـ المكتوب بعد موت النبي محمد بعدة قرون ـ جزء من الدين الإلهي متهمين بذلك النبي محمدا بأنه ترك جزءا من الدين لم يبلغه ولم يدونه, بل نهى عن كتابته كما يروى أئمة ذلك التدين أنفسهم. الواقع العلمي المنهجي يؤكد أن ما يعرف بالسنة وبقية التراث الذي يعتبره المعاصرون مقدسا ليس إلا كلاما بشريا منسوبا كذبا للوحي الإلهي ، وليس لله تعالى أي علاقة به إلا علاقة المخالفة والتناقض. وقد كان الأولى تنزيه الله تعالى ورسوله الكريم عن هذا التراث البشرى الذي يعبر عن أصحابه وعقلياتهم ومستواهم الفكري والحضاري الذي لا يخلو من جهل وخبل وخرافات يضحك منها الحزين.هذا التدين السنّي هو الأصل الذي نبتت فيه شجرة الحركة السلفية التي تحمل اسم الإسلام زورا وبهتانا في عصرنا الراهن, وبسببها أصبح الإسلام متهما بالإرهاب والتطرف .
        إن ما اصطلح على تسميته إعلامياً بالتطرف الديني وتجلياته من التعصب والإرهاب كان هو النوعية السائدة في تدين العصور الوسطى لدى العالم الإسلامي والعالم الغربي المسيحي. فمنطق التدين في العصور الوسطى كان الحروب الدينية بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي الغربي على المستوى الخارجي، والاضطهاد الديني والمذهبي ومحاكم التفتيش على المستوى الداخلي، وتبادل الاتهام بالكفر على المستويين الداخلي والخارجي، بالإضافة للثورات والمظالم والاستبداد، ولكنها ترتدي زى الدين وتلتمس منه –بالتأويل والتزييف- شتى الأدلة والبراهين على مشروعية ما تذهب إليه من ثورة أو حرب أو قمع أو اضطهاد ديني أو مذهبي. شمال أفريقيا فقط كان استثناء في ذلك التدين في العصور الوسطى، إذ قامت نوعية التدين بين أهله على أساسين هما: الصبر والتسامح، الصبر على جور الحاكم والتسامح مع الآخر، صحيح أنه كانت هناك بعض حركات تعصب ضد أهل الكتاب حدثت في مصر، ولكنها كانت جملة اعتراضية في التاريخ الإسلامي للمنطقة، علاوة على أنها كانت في الأغلب- بفعل عامل خارجي-، مثل حاكم  مستبد جائر أو فقيه متعصب زائر، وسرعان ما تمر الأزمة ويعود الوئام، ويعود الناس لما تعودوا عليه خلال تاريخهم الطويل، إلى الصبر والتسامح والتندر على الظالمين وصراعاتهم وتقلب الزمن بهم صعوداً وهبوطاً.
   وهذا التسامح في العصور الوسطى كان مبعث الدهشة للرحالة والفقهاء الزائرين، خصوصاً من أتى منهم من مناطق تموج بالتعصب، وكل منهم كان يعبر عن دهشته من انصراف العابد إلى عبادته، والماجن إلى مجونه، وكيف تمتلئ المساجد بروادها والحانات بمرتاديها، ولا ينكر هذا على ذلك، وكل منهم مشغول بما هو فيه، نقرأ هذا الكلام فيما كتبه المقريزي في الخطط عن شيخه العلامة ابن خلدون، وفيما كتبه الفقيه المغربي ابن الحاج في "المدخل" عن شيخه العراقي، وفيما كتبه الرحالة المغربي ابن ظهيرة في كتابه "الفضائل الباهرة".(1) ولذلك فإن المصريين والمغاربة لم يستجيبوا لدعوة ابن تيمية الذي لاقى رواجاً في الشام حيث تسود الطائفية والتعصب، بل إن المذهب الحنبلي المتشدد الذي كان عالي الصوت في الشام والعراق اختلف وضعه في شمال أفريقيا، حيث تأثر بالتسامح فترك تشدده . ومن العجيب أنه في الوقت الذي احتدم فيه الصراع المذهبي الفقهي في الحجاز والشام والعراق فإنه كان من السهل في مصر والمغرب العربي أن ينتقل فقيه من مذهب إلى آخر حسب أطماعه الوظيفية(2) وتلك الحالة عجيبة لم نر مثيلاً لها خارج المنطقة في العصور الوسطى. ولذلك فإن التصوف كان الأقرب إلى طبيعة التدين الشمال أفريقي، لذا انتشر فيها وساد منذ القرن الخامس الهجري . فقد احتوى التصوف كل العقائد القديمة وصاغها في أشكال تحمل رموزاً إسلامية. واشترك الجميع حتى الأقباط في مصر في تأدية نفس الطقوس وفى نفس المناسبات، كالموالد والقبور المقدسة والاعتقاد في الأولياء والقديسين، وفى هذا الإطار كان التسامح مع الآخر، و"التسليم بحالته وطريقته" هو دستور التعامل في شمال أفريقيا ، بينما كان "تغيير المنكر"بالقوة هو الدستور الآخر في المشرق، حيث كان تغيير المنكر يتحول إلى ثورات عارمة فيما بين إيران والشام.
     والخلاصة: أن منطقة الشمال الأفريقي كانت متفردة في العصور الوسطى بتدينها السمح وصبرها على جور الحكام، والغريب أن يدخل العالم إلى العصر الحديث ويخفت التعصب الديني وتنتهي الحروب الدينية وتنحسر مفاهيم العصور الوسطى ولكنها تعود إلى الشمال الأفريقي في القرن العشرين الميلادي وهى تحمل معها نفس الملامح التي كانت رائجة خارج المنطقة في القرون الوسطى، ومن الطبيعي أن نسأل عن السبب، والسبب هناك، في منطقة "نجد" والدولة السعودية.
 ثانياً: التدين في نجد بين الماضي والحاضر:
       منطقة "نجد" في الجزيرة العربية هي نقيض شمال أفريقيا الثرية بمواردها، المنفتحة على العالم بموقعها، المعتدلة بمناخها، المتسامحة بشعبها . منطقة "نجد" متطرفة في مناخها شحيحة في مواردها منعزلة في صحرائها لا يرى أهلها إلا أنفسهم، ولا يرون في الأغراب إلا مجرد ضحايا للسلب والنهب حين يمرون على صحراء نجد من العراق إلى الحجاز. في صحراء نجد القاحلة والواسعة عاش الأعراب على قطع الطريق، وكانت تأتيهم الفرصة الكبرى حين تنشأ فيهم أو تنتشر بينهم دعوة دينية تبرر وتبيح لهم القتل والسلب للآخرين على أنه جهاد. ولذلك كان استحلال الأعراب النجديين لدماء المسلمين المسالمين وأموالهم وأعراضهم في التاريخ الإسلامي مرتبطا بهوجات نجد الدينية، تلك الهوجات التي تخصصت في التدمير وسفك الدماء. وما عدا الهوجات ومشروعات الدول الدموية فإن تاريخ نجد العادي مجرد غارات داخلية فيما بينهم أو غارات سنوية عادية على قوافل الحجاج , أي مجرد غارات "علمانية" بدون شعارات دينية. ولكن تلك الغارات المعتادة استلزمت أن تسير قوافل الحجاج في حماية جيش كامل، ويمكن التأكد من ذلك خلال الحوليات التاريخية العراقية للعصور الوسطى خصوصاً تاريخ المنتظم لابن الجو زى (4). ولقد تأثر ابن خلدون بتاريخهم الدموي فقرر في مقدمته الشهيرة أن الأعراب هم أسرع الناس للخراب، وأنهم يحتاجون إلى دعوة دينية يستطيعون من خلالها استحلال الدماء والأموال والأعراض وإسباغ الشرعية على ثوراتهم واعتدائهم.(5) وكما كانت لمنطقة شمال أفريقيا خصوصيتها في العصور الوسطى بتسامحها وصبرها وتأثيرها الإيجابي في التاريخ الإسلامي، كذلك كانت لمنطقة نجد خصوصيتها في العصور الوسطى بتطرفها ودمويتها وتأثيرها السلبي في التاريخ الإسلامي. وهنا نعطى محطات سريعة نقرأ فيها التاريخ الإسلامي بإيجاز "قراءة جغرافية" أو "قراءة نجدية ":
1- في "نجد" بدأ التطرف مبكراً حين كانت المركز الأساسي لحركة الردة، ففي سهل حنيفة ظهر مسيلمة الكذاب وتحالفت معه سجاح التميمية، ولنتذكر أنه في نفس سهل حنيفة ولد وعاش محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة الوهابية فيما بعد. ولقد وصف القرآن الكريم معظم الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً (التوبة: 97) وقد خضع الأعراب لقوة المسلمين وسالموها، مع أن الإسلام لم يدخل قلوبهم بعد (الحجرات: 14) فلما توفى النبي عليه السلام وتولى أبو بكر تمردوا على الدولة في حركة حربية هادرة مركزها "نجد" وهاجموا المدينة، وبعد إخماد حركة الردة بصعوبة بالغة رأى أبو بكر توظيف بأس الأعراب النجديين بتصدير قوتهم الحربية إلى الخارج, فكانت حركة الفتوحات العربية إلى شمال نجد في العراق أولاً، ثم الشام وإيران . وتكونت جيوش الفتوحات من أغلبية من الأعراب (المرتدين سابقاً) وقيادة من القرشيين (المعاندين سابقاً) ذلك أن الأمويين من قريش رأوا أن مصلحتهم السياسية والاجتماعية تحتم عليهم الدخول في الدين الجديد، وسارعوا بتقدم الصفوف الأولى في الفتوحات بما لديهم من خبرة حربية ومعرفة بطرق التجارة وصلات وثيقة بالقبائل العربية في الشام وعلى الطرق التجارية. وانتهت الفتوحات وقد أصبح الأمويون يحكمون الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا باسم الإسلام، وفى خلافة عثمان سيطروا عليه، ومن خلاله انتقموا من أعدائهم السابقين في الإسلام، مثل عمار وابن مسعود وجميع بني هاشم ومن والاهم، وكان من السهل أن يمر ذلك كله عادياً لولا أن الأمويين في خلافة عثمان اصطدموا بأعراب نجد فكانت الفتنة الكبرى، تلك الفتنة التي لازلنا نسير في نفقها المظلم حتى الآن.
2- كانت قضية "السواد" هي بداية الفتنة الكبرى . والسواد هي الأرض الزراعية الواقعة بين نجد والعراق، وكان أعراب نجد يتطلعون إلى امتلاك "السواد" لأنها الأقرب إلى موطنهم وحيث كانوا يغيرون عليه قبل الإسلام ويحلمون بامتلاكه، ولكن الأمويين لم يسمحوا لهم بذلك واعتبروا "السواد" "بستان قريش"، فاشتعلت الثورة، وقتل عثمان بعد أن حاصروه، وبويع "علياً" خليفة، واشتعلت الحروب الأهلية، وفيها كان أعراب نجد هم عماد جيش علي عليه السلام ، ثم ما لبثوا أن خرجوا عليه وقتلوه وأصبح اسمهم الخوارج، وتفرقوا يرفعون لواء الحاكمية "لا حكم إلا لله" ويقتلون المسلمين المسالمين في العراق وإيران، وأرهقوا الدولة الأموية بثوراتهم مما ساعد في سقوط الأمويين سريعاً أمام العباسيين، وخفت صوت الخوارج بعدهم.ولكن بعد أن أرسوا عمليا مبدأ الحاكمية. صحيح أن ثقافتهم البسيطة لم تسمح لهم بتقعيده وتنظيره ولكنهم طبقوه عمليا ودمويا على المسلمين غير المحاربين في الأسواق والتجمعات السكنية بعد إصدار قرار نجدي باستحلال دماء كل المخالفين لهم في المذهب والعقيدة. والاستحلال هو المبدأ النجدي الأصيل في التعامل مع الآخر ، فهم يستحلون دمه وماله وعرضه حين يغيرون عليه في غاراتهم العادية – العلمانية – بدون الحاجة لفتوى أو مسوغ ديني، أما حين تقوم فيهم دعوة دينية فانه يجرى تبرير نفس الاستحلال وأنواعه بفتاوى وأحاديث منها " جعل رزقي تحت ظل رمحي".
 3- وعاد عرب نجد للثورة مرة أخرى في العصر العباسي بعد أن ملوا من الإغارة الروتينية على الحجاج، ووجدوا الغطاء الديني في دعوة المغامر على بن محمد فاتبعوه، مع أغلبية من الرقيق الزنوج فيما عرف بثورة الزنج التي خربت جنوب العراق طوال خمس عشر سنة (255-270) هـ إلى أن تم إخمادها بصعوبة بالغة. ثم ما لبث أعراب نجد أن اشتعلت ثورتهم هادرة تحت اسم القرامطة، وامتدت غاراتهم إلى العراق والشام والحدود المصرية، ولم تنج الكعبة من تدميرهم، وقد سبقوا المغول في سياسة الأرض المحروقة، أو إبادة كل الأحياء في المدن التي يستولون عليها، وقد شهد المؤرخ الطبري جانباً من فظائعهم وسجلها في الجزء العاشر والأخير من تاريخه فيما بين (286-302) هـ واستمرت فظائعهم بعد الطبري بقرنين تقريباً حتى تغلب عليهم أعراب المنتفق.
4- وبعد القرامطة عاد أعراب نجد إلى ما اعتادوه من قطع الطريق على الحجاج والاقتتال فيما بينهم، إلى أن ظهر فيهم محمد بن عبد الوهاب بدعوته الدينية وتحالفه مع ابن سعود، وكان أهم بند في التحالف بينهما (الدم الدم، الهدم الهدم)، وأعطاه ابن عبد الوهاب تشريع الاستحلال بعد أن اتهم كل المسلمين الآخرين بالكفر وجعل ذلك الاتهام مبررا دينياً للغزو والتوسع، وبذلك قامت الدولة السعودية الأولى، ونشرت السلب والنهب وسفك الدماء في الجزيرة العربية وحول الخليج وفى العراق والشام، إلى أن اضطرت الدولة العثمانية للاستعانة بواليها على مصر" محمد على باشا" فقضى على الدولة السعودية ودمر عاصمتها "الدرعية" سنة 1818 م.
   ثالثاً: الصراع بين التدين الشمال أفريقي والتدين النجدي:
     الظروف العالمية في الصراع الإسلامي الغربي هي التي أدت إلى تلك المواجهة بين مدرستين مختلفتين في التدين، مدرسة شمال أفريقيا، ومدرسة نجد. بدأ هذا الصراع العالمي بالفتوحات العربية التي حملت راية الجهاد الإسلامية زورا وبهتانا ، ثم أعقبه الغرب بحركة استرداد امتدت من الأندلس إلى آسيا الصغرى وحملات بيزنطية كانت تصل إلى حلب ودمشق، ثم تطورت حركة الاسترداد الغربي لتصل إلى حركة استيطان صليبي في الحروب الصليبية، ثم تطورت أكثر إلى حركة عالمية للكشوف الجغرافية، ثم الاستعمار الحديث.
ومرحلة المواجهة بين نجد وشمال أفريقيا خاصة مصر بوابة المنطقة التاريخية تقع ضمن توابع الزلزال الذي أحدثته الحملة الفرنسية على مصر والشام، تلك الحملة التي أفاق منها المسلمون المصريون على تقدم العدو الأوروبي {الكافر} الذي اقتحم على المسلمين ديارهم، وللرد على ذلك التحدي ظهر الاتجاه المصري لليقظة والإصلاح بعد الحملة الفرنسية، وقبلها ظهر الاتجاه "الإصلاحي" الآخر في نجد في الحركة الوهابية يريد الإصلاح بالعودة للسلف الصالح. ثم اصطدم الاتجاهان فيما بعد. مصر حسب شخصيتها اختارت اتجاهها مع الوالي محمد على بالانفتاح على الحضارة الحديثة والاستنارة الدينية التي بدأها الطهطاوي، ثم تطورت على يد محمد عبده إلى رؤية إصلاحية إسلامية فوق المذهبية وفوق التراث الصوفي والتراث الفقهي أيضاً، رؤية تحتكم إلى القرآن الكريم في إيجاد أيديولوجية إسلامية للدولة المدنية تلاءم العصر ومنجزاته. ومصر كمركز للإبداع في المنطقة تتيح للعلماء حتى الوافدين منهم مناخ الاجتهاد والعبقرية، فعلت ذلك مع الشافعي والقرطبي والشاطبي وغيرهم من العلماء ، ولذلك كان طبيعياً أن تكون الاستجابة المصرية للتحدي الغربي انفتاحاً على التقدم الآتي من نفس العدو الغربي على قاعدة التسامح، واجتهاداً في الفكر الديني يوثق الصلة بين الثوابت الدينية وثقافة البحر المتوسط على نفس قاعدة التسامح التي تفشت ملامح إصلاحها في تونس وليبيا والجزائر والمغرب الأقصى. ولذلك لم يجد الوالى الطموح "محمد على" مشقة في القضاء على أعمدة النظام القديم، من المماليك والحامية العثمانية وشيوخ الأزهر، وكان طبيعياً أن يرحب بالقضاء على الدولة الوهابية السعودية الوليدة في نجد لأن دعوتها التراثية الماضوية الرجعية لا تختلف عن خصوم محمد على داخل مصر، ولذلك استجاب سريعاً للسلطان العثماني وأرسل الحامية العثمانية بتقاليدها العسكرية البالية لتحارب الوهابيين السعوديين في نجد ويتخلص من غبائها وهمجيتها وفوضويتها، وليضرب عصفورين بحجر واحد، حتى ينشئ جيشاً حديثاً يكون قوام الإصلاح والتحديث في مصر. ولم يهتم محمد على بأكثر من القضاء العسكري على الدولة السعودية، ثم انشغل بمشروعه الطموح في مصر، ولم يدرك أن دولة دينية أيديولوجية مثل الدولة السعودية لا يكفى مجرد القضاء عليها عسكرياً بل لابد من مواجهتها فكرياً وثقافياً، ولم يعرف أن تلك الدولة التي قضى عليها عسكرياً سيأتي الوقت الذي تغزو فيه مصر فكرياً ومذهبياً.
لقد عاشت الدولة السعودية الأولى حوالي قرن من الزمان (1745-1818)م، وقد بدأت فيها مبكراً الاستجابة للتحدي الغربي ، قبل حملة نابليون بنصف قرن تقريباً، لأن النفوذ الإنجليزي في الخليج وجنوب العراق وتخاذل العثمانيين أمامه كان يجرى أمام أعين أهل نجد، وهم بطبيعتهم يكرهون الغرب والغريب ولا يخضعون للأتراك إلا مكرهين، وإذا كان أسلافهم قد ثاروا على الخلفاء العرب من قريش تحت شعارات دينية فإنهم في مواجهة الخلفاء العثمانيين وتخاذلهم أمام الغرب الكافر مستعدون للثورة بشرط أن توجد لهم أيديولوجية دينية، وهكذا كان الجو مستعداً لقيام الدولة الوهابية السعودية، كما كانت الظروف مهيأة لقبول الدعوة خصوصاً بعد تعاظم التدخل الغربي بالحملة الفرنسية ومناهضة انجلترا لها. ولذلك فإنه لم يكن منتظراً أن تنتهي الدعوة الوهابية بعد سقوط دولتها السعودية الأولى وتدمير عاصمتها الدرعية، وقتل حاكمها في الأستانة. فقد استطاع زخم هذه الدعوة أن يعطى لأهل نجد تميزاً على غيرهم، إذ اعتبروا غيرهم من المسلمين كفاراً يعبدون الأضرحة والأوثان، لذا كان سهلاً أن تستطيع الدعوة الوهابية أن تقيم الدولة السعودية الثانية سريعاً (1821-1889)م، ولكن تصارع الأمراء السعوديين جعل هذه الدولة الثانية محدودة الأثر وأسقطها في النهاية.
وأخيراً قامت الدولة السعودية الثالثة بقيادة عبد العزيز بن عبد الرحمن فيما بين (1902-1932)م، وخلال سنوات التأسيس هذه كانت للمخابرات البريطانية رؤيتها الواضحة التي أملتها على عبد العزيز في إرساء دعائم الدولة الثالثة حتى تستمر ولا تسقط مثل الدولتين السابقتين وتحقق أكبر قدر ممكن من المصالح التي يرنوا إليها الغرب المسيحي . وتتلخص هذه الرؤية في التمسك بالأيديولوجية الوهابية والتسلل بها إلى مصر لتكون مصر عمقاً استراتيجياً للدولة السعودية الأكثر إخلاصا للتاج البريطاني والأنفع خدمة للمصالح البريطانية حتى تستطيع من خلالهما السيطرة على العالم الإسلامي مغربا ومشرقا. وكانت النتيجة نجاح الإنجليز باستعمال عبد العزيز آل سعود في تحويل التدين المصري المنتمي للتدين الشمال أفريقي القائم على التسامح حتى في العصور الوسطى إلى تدين وهابي متشدد في عصر حقوق الإنسان. ونأتي للسؤال التالي، وهو كيف؟ كيف تم هذا التحول؟ .
في الوقت الذي كان فيه عبد العزيز وآله لاجئين تحت رعاية آل الصباح في الكويت كان الإمام محمد عبده في مصر يعلن تطليقه للسياسة والثورة وتفرغه للإصلاح الديني والفكري، فحارب الخرافة ووقف موقفاً حازماً من الفقه والأحاديث، واعتبر الأحاديث كلها أحاديث آحاد، وأعاد للأذهان ما قاله الأئمة المجتهدون في عصر الازدهار الفكري. وكان محمد عبده يأمل في تأسيس مدرسة فكرية للاجتهاد الديني تقوم بإصلاح عقائد المسلمين وتسهم في تطورهم العقلي والعصري، وكان هذا اقتناعه بعد تطليق السياسة ولعنها. ولم يكن محمد عبده يدرى أن حركته سيقوم بإجهاضها تلميذه المندس رشيد رضا لصالح السعوديين وأيديولوجيتهم السلفية الثورية. مات محمد عبده سنة 1905، وفى ذلك الوقت كان الانجليز قد مكنوا عبد العزيز وأربعين من "إخوانه" من الاستيلاء على الرياض سنة 1902 ثم السيطرة على أواسط نجد سنة 1904  حتى تأسيس سلطنة نجد بموجب أوامر الجنرال اليهودي الإنجليزي بيرسي كوكس صاحب اتفاقية (دارين) الشهيرة. وبعد موت محمد عبده في مصر ورثه رشيد رضا. وكانت الأنباء التي كانت تزينها المخابرات البريطانية تأتى إلى مصر بانتصارات الشاب ابن سعود ونجاحه في ضم الإحساء والمنطقة الشرقية، ثم نجح بعدها في ضم عسير، وحاصر الشريف حسين ثم انتزع منه الحجاز سنة 1926 ليحتل ابن سعود بعدها بفضل الدعم المادي والمعنوي لبريطانيا التي كانت عظمى ولآلتها الإعلامية  موقعاً متميزاً في وقت لم تجف فيه دموع الملايين الذين حزنوا على إلغاء الخلافة العثمانية دون أن يدركوا أن كل هذا ما كان ليحدث لولا التدخل الغربي خدمة لمصالح وأهداف غربية. ثم قام ابن سعود بإعطاء مملكته الوليدة اسم أسرته السعودية سنة 1932 بنفس المنهج السائد في العصور الوسطى حين يطلق الحاكم على دولته اسمه أو اسم أسرته، كالدولة الإخشيدية والطولونية والعباسية وأولهم الذي علمهم الكفر دولة معاوية الأموية التي كانت سببا في الانحراف الكلّي للنظام الإسلامي وفقدانه الرشد ولا زال المسلمون في انتظار عودته حتى وقتنا المعاصر . ومع هذا النجاح الذي حققه الإنجليز لابن سعود فقد كانوا يدركون أن توسعه في شبه الجزيرة العربية قد أضاف ألغاماً كثيرة تحت عباءته، فأعدى أعدائه وهم الشيعة يرتكزون في المنطقة الشرقية، كما أن الأشراف والصوفية في الحجاز لا ينسون ثأرهم عنده بعد ما فعله بالحجاز وأسرة الشريف حسين، وفى الخارج يقف أعداؤه الشيعة الزيدية في اليمن بعد أن استولى على عسير، وهناك شيعة إيران والعراق والخليج وهم لا ينسون ما فعله وما سيفعله بالمشاهد الشيعية في الحجاز والعراق، علاوة على أن أبناء خصمه الشريف حسين كانوا يحكمون العراق والأردن، أي أن أعداءه يطوقونه من كل الاتجاهات، ولهم جماهير في أهم منطقتين في مملكته، المنطقة الشرقية بجوار نجد، والحجاز، وهم لا يغفرون له أنه محا وجودهم حين جعلهم سعوديين، أي موالى وعبيداً لأسرته . وهكذا لم يعد أمام ابن سعود إلا مصر يتكئ عليها في صراع البقاء وفى أمل الاستقرار والاستمرار أيضاً. فمن مصر جاء الخطر الذي دمر الدولة السعودية الأولى، ومنها يمكن أن يأتي الخطر الذي سيقضى على الدولة السعودية الثالثة، خصوصاً وأن التصوف هو التدين المصري الأساسي والدعاية ضد الوهابيين على أشدها في مصر، ومن الممكن أن تتطور ثقافة الكراهية ضد الوهابية إلى تحالف عسكري أو سياسي خصوصاً مع طموح ابن سعود للسيطرة على الحجاز والذي كان دائماً تحت السيطرة المصرية. ومن الممكن أن يتفادى ابن سعود هذا الخطر المصري، بل يستغل مصر إلى جانبه إذا تحول التدين السني الصوفي المصري المعتدل إلى تدين سني وهابي متطرف. وليس ذلك مستحيلاً، فالمهم هو العثور على الشخصية المناسبة التي تقوم بخلق هذا التحول، وكان سهلاً العثور على هذه الشخصية، وهنا بدأ دور الشيخ رشيد رضا سليل التربية الإنجليزية الشامية.
    جاء الشيخ رضا إلى مصر يحمل بين جوانحه الفكر السلفي مع كراهية موروثة للمسيحيين استقاها من بيئته الشامية، ولكنه كتم هذه الثقافة الشامية داخله أثناء إدعائه التبعية لشيخه الإمام محمد عبده. وبعد موت الإمام لم يكن رشيد رضا مؤهلاً للسير في طريق شيخه في معاداته لشيوخ الأزهر، إذا كان محمد عبده بفكره ومصريته وأزهريته وتاريخه ومكانته وشخصيته أقدر على الصدام مع شيوخ الأزهر، فهو منهم وهم منه، وهو أعلاهم قدراً وأرجحهم عقلاً وأكبرهم علماً وأكثرهم شهرة، ومع ذلك فقد عانى منهم ما عانى في جهاده الإصلاحي، فكيف بتلميذه الوافد من الشام إذا كان فعلاً يريد السير في طريق شيخه الإمام؟ على أن رشيد رضا بمشروعه الإنجليزي قد يوافق فكر الإمام محمد عبده في الهجوم على التصوف وأوليائه إلا أنه لا يوافقه في انتقاد تحجر الفكر الوهابي . وعندما مات شيخه الإمام وجد الإنجليز فرصتهم في دفعه نحو الزعامة التي باتت ميسورة إذا تحالف مع ابن سعود، خصوصاً وقد جرت مياه كثيرة في النهر، بعد أن علا نفوذ ابن سعود في شبه الجزيرة العربية وبدأت الأحلام تتجمع حوله خصوصاً مع الدعم الإنجليزي غير المحدود الذي عزز مقدرته، ثم بدأ تيار الفقهاء يميل إلى التعصب بعد إلغاء الخلافة وشدة التيار العلماني في تركيا ثم في مصر والشام، وارتفع صوت الإلحاد متشجعاً بالليبرالية الفكرية والنفوذ الاستعماري، وكل ذلك أثار حفيظة الشيوخ العاديين والصوفيين والسلفيين وقرب المسافة بينهم . خصوصاً وقد كان أئمة العلمانيين في مصر من مثقفي الشوام المسيحيين والذين هاجروا لمصر بعد المذابح الطائفية في لبنان . وكان لابد أن تشتعل المعركة بين رشيد رضا وبينهم، وفى هذا الجو أتيح لرشيد رضا أن يثمر تحالفه مع ابن سعود في نشر الفكر الوهابي بعد أن سيطر عبد العزيز على الحجاز وجعل من مناسبة الحج منبراً لنشر الدعوة وتجميع الأمصار وإعداد الكوادر وإعداد الخطط وتنفيذها. ودليلنا على ذلك أن عام 1926 الذي شهد أول موسم للحج بعد سقوط الحجاز هو أنشط الأعوام في نشر الفكر السلفي في الوطن العربي خاصة مصر. وكان رشيد رضا هو مهندس التسلل الوهابي للجمعيات الدينية، ومهندس إنشائها لصالح السعوديين، وعن طريق تلك الجمعيات أمكن تحول التدين المصري عن الصوفية السنية إلى الوهابية السنية. ونتتبع هذا الجهد على النحو الآتي:
 1- الجمعية الشرعية: أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي سنة 1913 على أساس الولاء المطلق للتصوف، وفى إخضاع الفقه للتصوف كتب الشيخ محمود السبكي أولى مؤلفاته: " المحمودية في التصوف والأحكام الفقهية " في أربعة أجزاء ولكن في عام 1926 اتخذت مؤلفاته طابعاً جديداً تحت شعار الدفاع عن السنة، وبالطريقة الوهابية أخذ يهاجم التصوف تحت هذا الشعار، وفى هذا الاتجاه الجديد كتب (26) كتاباً إلى أن مات سنة 1931. وعلى طريقه سار ابنه أمين السبكي وقد كتب في الدعوة الوهابية تسعة من الكتب وتوفى سنة 1968، وهكذا. وبالنفوذ السعودي الذي أرساه رشيد رضا انتشرت مساجد الجمعية الشرعية، وهى الآن أضخم جمعية في مصر، تسيطر على أكثر من ألفى مسجد وألوف الأئمة الوعاظ وملايين الأتباع، وكانت ولا تزال الاحتياطي الاستراتيجي للإخوان المسلمين، وهم – أي الجمعية الشرعية والإخوان المسلمون- هم الآن مادة الفكر السلفي وحركته في المجتمع المصري.
2- جمعية أنصار السنة: في نفس العام 1926 أقامها الشيخ حامد الفقي أحد الأزهريين، وقد أنشأ له عبد العزيز آل سعود منزلاً في حي عابدين كان مقراً للدعوة الوهابية، وتخصصت هذه الجمعية في نشر الفكر الوهابي ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم، كما أنشأ مجلة الهدى النبوي سنة 1936 ولا تزال تصدر.
3- جمعية الشبان المسلمين: أنشأت سنة 1927 بتخطيط من محي الدين الخطيب رفيق الشيخ رشيد رضا في الدعوة السلفية، وتولى رئاستها الدكتور عبد الحميد سعيد، والاتجاه الحركي يغلب على هذه الجمعية التي انتشرت وسط الشباب، وكان من أهم أولائك الشباب فيها هو حسن البنّا، ومع أنه أنشأ الإخوان المسلمين على غرار جماعة الإخوان الوهابية التي أنشأها عبد العزيز آل سعود، إلا أن حسن البنا كان دائم التردد على جمعية الشبان المسلمين، وقد لقي حتفه أمام أبوابها سنة 1948.
4- جماعة الإخوان المسلمين:  أسسها حسن البنا سنة 1928 وهى الاتجاه الحركي السياسي المسلح للسلفية الوهابية في مصر والعالم ، وكان إنشاؤها برعاية رشيد رضا وتوجيهاته. ورشيد رضا هو الذي قام بتقديم الشاب حسن البنا إلى أعيان السعودية وأعمدة الدعوة الوهابية، ومنهم حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز، ومحمد نصيف أشهر أعيان جدة. وابنه عبد الله نصيف هو الذي كان يتزعم رابطة العالم الإسلامي، والتي يتغلغل من خلالها النفوذ السعودي إلى العالم الإسلامي حتى اليوم، وانطلقت من تحت عباءتها جميع حركات العنف والتطرف الديني بالوطن العربي والعالم الإسلامي ، وهى التي لعبت دوراً في تجنيد الشبان للذهاب إلى أفغانستان وتدريبهم على التخريب. ونعود إلى الشيخ رشيد رضا وجهوده خارج نطاق الجمعيات لنلمح إلى تأسيسه مدرسة الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة في جزيرة الروضة المصرية سنة 1912، وكانت تجاورها مؤسسة الزهراء للسلفي الشامي محيى الدين الخطيب، في نفس المنطقة، كما كانت مجلته "المنار" ذائعة الصيت متخصصة في الدعوة الوهابية السعودية، هذا بالإضافة إلى مؤلفاته المتخصصة مثل "الخلافة" و"السنة والشيعة"، وفيها كان يدعو إلى الخلافة الإسلامية ويرى في ابن سعود المؤهل الوحيد لها. وعن طريق مطبعة المنار نشر رشيد رضا الكثير من مؤلفات ابن حنبل وابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب. وتوفى رشيد رضا بعد أن قام بتوديع الأمير سعود ولى العهد السعودي في ميناء السويس سنة 1935(7) وترك الراية يحملها من بعده تلميذه حسن البنا مؤسس الإخوان.
والشيخ حسن البنا اعترف في مذكراته "الدعوة والداعية"، بصلته بالشيخ حافظ وهبة والدوائر السعودية، والأستاذ جمال البنا شقيق حسن البنا يعترف بتلك الصلة بين شقيقه الأكبر، ووالده والسلطات السعودية في كتابه "خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه"(8) والدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته عن السياسة المصرية يشير إلى معرفته بالشاب حسن البنا في موسم الحج سنة 1936، وكيف أن حسن البنا وثيق الصلة بالسعودية ويتلقى منها المعونة، وكان البنا يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة، ولذلك فإن الانشقاقات عن الإخوان ارتبطت باتهام الشيخ حسن البنا بالتلاعب المالي وإخفاء مصادر تمويل الجماعة عن الأعضاء الكبار في مجلس الإرشاد(8) وعن طريق الدعم السعودي استطاع البنا، وهو المدرس الإلزامي البسيط، أن ينشئ خمسين ألف شعبة للإخوان في العمران المصري من الإسكندرية إلى أسوان، واستطاع إلى جانب ذلك أن ينشئ التنظيم الدولي للإخوان عن طريق الفضيل الورتلاني الجزائري المساعد الغامض لحسن البنا، وهو الذي فجر ثورة الميثاق في اليمن لقلب الموازين فيها لصالح السعودية، وقد نجحت الثورة في قتل الإمام يحيى، ولكن سرعان ما فشلت وتنصلت منها السعودية، ورفضت استقبال الفضيل الورتلانى بعد هربه من اليمن وظل الورتلاني في سفينة في البحر ترفض الموانئ العربية استقباله كراهية لدوره في اليمن، إلى أن استطاع بعض الإخوان تهريبه في أحد مواني لبنان، وانتقل منها إلى تركيا، ثم ظهر بعد ذلك كالرجل الثاني في قائمة جبهة التحرير الجزائرية حين توقيع ميثاقها في القاهرة سنة 1955 وكان المناضل الجزائري أحمد بن بيلا في آخر القائمة حينها.(9) واكتشفت الحكومة المصرية بعد ما حدث في ثورة اليمن سنة 1948 خطورة حسن البنا وتنظيمه السري وكيف استطاع حسن البنا إجراء ثورة في اليمن بالريموت كنترول. ولذلك كان التخلص من حسن البنا سياسياً بكشف أسرار التنظيم وما جرى إبان ذلك من حوادث عنف متبادلة. ومعروف بعدها موقف الإخوان من تعضيد الثورة ثم الخلاف بينهم وبين عبد الناصر، وتحالف السادات مع الإخوان، وعودة التيار الديني السياسي للسيطرة على أجهزة الدولة في التعليم والثقافة والإعلام مع عصر الثورة النفطية، ثم خلافهم مع السادات، وقتلهم له، واستمرار سيطرتهم في عصر مبارك الذي آثر مطاردة الإرهاب المسلح مع التصالح مع الفكر السلفي الذي أصبح يقدم نفسه على أنه الإسلام. وهنا ندخل على طبيعة الفكر السلفي التي أجهضت الاجتهاد المصري في الإصلاح الديني لصالح الفوضى السلفية.
 

   الجزء الثاني
الطبيعة الفكرية للحركة السلفية السياسية

1 - حركة تعتمد على شعارات: عن طريق مصر انتقلت الوهابية والنفوذ السعودي إلى شمال أفريقيا غرباً وإلى الشام واليمن والهند شرقا، ولا ينبغي هنا نسيان دور الحج بطبيعة الحال، وعزز من هذا الانتشار أن حجة الوهابيين قوية وحقيقية في الهجوم على عبادة الأنصاب والقبور، وأن منهجهم يعتمد أساساً على الأحاديث المنسوبة للنبي عليه الصلاة والسلام، وأنه يقوم على عموميات لا يختلف عليها اثنان مثل صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان وإخلاص العقيدة لله تعالى. وبانتقال الدعوة الوهابية إلى مصر وإجهاضها المشروع الإصلاحي التنويري لمحمد عبده فقد تم قطع خط الرجعة على الدعوة، بحيث كان عليها أن تسير في اتجاه واحد يمحو الاتجاه القديم للإصلاح والتنوير وبدلا منه يقوم بتجميع المسلمين نحو هدف واحد هو الحكم الإسلامي في الظاهر والوهابي في الواقع. وبدأ حسن البنا في رفع لواء التجميع لكل المسلمين من صوفية وسنيين وقال كلمته المشهورة "هي رسالة سلفية وطرق سنية صوفية" وإذا كان مستحيلاً الجمع بين عقائد السنة والصوفية فإن البنا خرج من هذا المأزق بتأجيل البحث في الخلافات على أساس تربية القيادات على المنهج السني الوهابي وأثناء ذلك تظل الرايات مرفوعة عن شمولية الدعوة لكل الطوائف في اتجاه هدف واحد هو الحكم بطبيعة الحال. ومن طبيعة الحركات الدينية السياسية (التّقية)، وأهم وسائلها رفع الشعارات المقدسة، فكذلك فعلت الدعوة الدينية السياسية التي تمخضت عن قيام الدولة العباسية، إذ كان شعارها "الرضى من آل محمد" وكذلك فعل ويفعل الإخوان حين يرفعون شعارات سياسية مقدسة مثل "القرآن دستورنا والرسول زعيمنا" ومثل "تطبيق الشريعة" ثم "الإسلام هو الحل" وبعد هذه الشعارات التي لا خلاف عليها ليس لديهم اجتهاد فقهي يناسب العصر وليس لديهم منهج فكرى للحكم أو برنامج سياسي لعلاج المشاكل السياسية والاجتماعية لأنهم طالما أجهضوا حركة الاجتهاد الفكري والإصلاح الديني في سبيل الوصول للحكم فلم يعد أمامهم إلا استرجاع الفقه التراثي ومحاولة إخضاع العصر لمقولاته، بينما ينبغي أن يكون العكس هو الصحيح، أي الاجتهاد الفقهي لمقتضيات العصر بمثل ما اجتهد الفقهاء السابقون لعصرهم. ولو كانت تلك الحركة الدينية السياسية شمال أفريقية في جذورها ومصرية على وجه الخصوص باعتبار مصر مركزا أساسيا للإبداع العربي والإسلامي لأثمرت اجتهاداً فقهياً يناسب العصر حتى مع تركيزها على الثورة والهدف السياسي، فتلك هي الطبيعة الفطرية التي ترغم بعض العناصر في الأزهر على الإتيان بجديد، مع كون الأزهر أعرق مدرسة في الجمود العقلي بعد تخليه عن منهج التسامح الشمال أفريقي والاجتهاد الفاطمي. ولكن لأن جذور تلك الحركة ترجع إلى نجد فإنه ليس أمامها إلا إتباع الفقه الحنبلي التيمي الذي لم يجد ابن عبد الوهاب غيره أقرب إلى منهجه وإلى طبيعته المتشددة . صحيح أن هناك بعض التعديلات بين السطور كالذي نراه لدى محمد الغزالي ويوسف القرضاوي، ولكن هذه التعديلات القشرية لا تصل إلى المنهج الفكري نفسه. والمنهج الفكري للدعوة السلفية وحركتها السياسية هو تحويل الفكر إلى دين عن طريق التأويل، وهذه هي أولى الملامح الفكرية للحركة السلفية بالإضافة إلى الملمح الآخر وهو العنف الدموي. وبذلك يمكن أن نوجز ملامح تلك الحركة في كلمتين، إنها "حركة ثورية تدعي العصمة" فهكذا يعتقدون. ونتوقف قليلاً مع التأويل الذي جعل الحركة معصومة الاجتهاد كما تدعي وجعل إطارها الفكري ديناً يعاقب من يخرج عليه أو يناقشه بالقتل.
 التأويل: حين نقول التأويل نقصد تأويل النصوص القرآنية وتزوير أحاديث منسوبة للرسول عليه الصلاة والسلام تعزز ذلك التأويل، واختراع مصطلحات جديدة عن تلك المفاهيم تخالف مصطلحات القرآن وما كان عليه النبي عليه وآته الصلاة والسلام. وخطورة التأويل بهذا الشكل أنه يقوم بتحويل الفكر البشري إلى النقيض للدين السماوي الحقيقي، وبعد أن يتحول ذلك الفكر البشرى إلى دين كامل عن طريق التأويل والتزوير والمصطلحات الدينية الجديدة، يتقمص ذلك الدين البشرى دور الدين السماوي الحقيقي في عقائد الناس حتى يصبح الخروج عليه خروجاً على دين الله تعالى يستلزم عندهم الكفر والقتل. وللتوضيح نقول: إن دين الله تعالى ينزل كتاباً سماوياً ليس مؤلفاً من بني البشر وتكون وظيفة الرسول النبي هي تبليغ الرسالة كما هي دون زيادة أو نقصان، ويكون الرسول النبي نفسه قدوة للمؤمنين في التمسك بتلك الرسالة وتطبيقها طبقاً لظروف عصره. ثم يوم القيامة يقوم الله تعالى مالك الدين ومالك يوم الدين بمحاسبة النبي ومحاسبة خصومه وأتباعه والبشر جميعاً على مدى تمسكهم بالكتاب السماوي. ولكن الذي حدث أنه بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذت الفجوة تتسع بين الناس وبين الرسالة السماوية، وبدأت تلك الفجوة تظهر أفكاراً بشرية تخالف الكتاب السماوي وتقوم بتبرير وتشريع وتسويغ التدين البشرى بكل ما فيه من نقائض وخروج على الدين الحقيقي، ونظراً لأن تلك الأفكار والفتاوى البشرية تقوم بتلبية الأغراض السياسية والرذائل الاجتماعية للناس فإنهم يقومون باختراع أصل مقدس مزيف لتلك الأقاويل والأفكار عن طريق نسبتها لله تعالى ولرسوله الكريم مع تطويع النصوص الإلهية لمفاهيمهم الجديدة، إذا عجزوا عن تحريفها لفظياً. والتأويل بهذا المعنى عرفه الشيعة والسنة والصوفية، كل منهم جعل منهجه الفكري ديناً عن طريق نسبته لآل البيت والأئمة كما فعل الشيعة، أو نسبته للنبي والصحابة كما فعل السنة، أو عن طريق العلم اللدنّي للأولياء كما فعل الصوفية، وفى كل الأحوال يتقمص ذلك الفكر البشرى شخصية الدين ويتحول الأئمة فيه إلى آلهة أو أنصاف آلهة تحظى بالتقديس ولا يجوز الاعتراض عليهم، ولذلك فإن القلوب تقشعر حين يعترض أحدهم على البخاري مثلاً لأنه أضحى معصوماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذه مكانته الحقيقية في معتقدات أهل السنة، وكذلك مكانة جعفر الصادق لدى الشيعة ومحي الدين ابن عربي عند الصوفية. وفى كل الأحوال تحول الفكر إلى دين وتحول أئمة الفكر إلى مستوى فوق البشر وتحولت كتبهم إلى أسفار مقدسة، وكل ذلك عن طريق التأويل بالمفهوم الذي بيناه. على أن هناك دليلاً آخر عقلياً نجده لدى المعتزلة لا يسمح بالتحريف والتزييف ولا يخترع له سنداً يصله بالنبي، وهذا التأويل العقلي مع أنه أروع، إلا أنه اندثر لأنه ظل مجرد فكر محصور بين النخبة المثقفة، ويخضع للجدال بين العقول ويتخذ له مشروعية عقلية بالحجة والمنطق ولذلك انتهى إلى زوال. أما الفكر الآخر فقد سرى إلى طبقات المجتمع على أساس أنه دين لأنه منسوب لله تعالى أو للرسول، فكيف تعترض على فكرة ما إذا صيغت في حديث نبوي؟ أو قيلت في حديث قدسي؟ من الطبيعي حينئذ يقدم العقل إجازة ويرفع لواء التسليم ويبتلعها المؤمن لأنها ارتفعت من دائرة العلم والنقاش إلى مستوى الدين والإيمان والتسليم، وبالتالي فإن من يعترض على ذلك الفكر أو يناقشه يصبح كافراً مرتداً مباح الدم. وبهذه الحصانة استمد الفكر السلفي حصانته الدينية ، وأصبح يجمع بين صفتي العصمة والثورية. وهذه العصمة الثورية أنتجت تحت لواء الجهاد ثلاث نتائج خطيرة في تاريخ المسلمين، الماضي والحاضر والمعاصر، وهى قلب أنظمة الحكم، واستحلال الدماء والأعراض للعوام ومصادرة "الغير" سياسياً وفكرياً وعقائدياً.ونتوقف بالتأصيل التاريخي لكل منها.
2- من الثورية في مواجهة الحكام إلى سفك دماء العوام:
الجذور التاريخية:
الثورية المقصودة هنا هي الثورية التي تحركها الأحاديث المنسوبة للنبي والتأويل الديني. واختراع الأحاديث في مجالات الصراع السياسية بدء من الفتنة الكبرى، ثم استفحل في العصر الأموي، حين اخترع الأمويون منصب القصاص الذي يقوم بدور وزير الإعلام في عصرنا، ويعمل من أجل الدعاية في المسجد للخليفة الأموي وتبرير أعمال الدولة، خصوصاً بعد المصائب الثلاث الكبرى التي ارتكبها الأمويون في خلافة يزيد بن معاوية، وهى قتل الحسين عليه السلام وانتهاك حرمة الكعبة المكرمة والمدينة المنورة . وخصوم الأمويين استخدموا نفس الأسلوب في حرب الدولة، فإذا كان القصاص يستخدم الأحاديث في الدفاع عن الدولة فإن القرّاء (جمع قارئ – وتعنى المثقفين الناقمين على الدولة) يستخدمون أحاديث أخرى في الكيد للدولة، وهذه الحرب بين الفريقين كانت بالرواية الشفهية للأحاديث، والتي تم تدوينها وتطويرها فيما بعد.(10) ولم يتخلف تزييف الأحاديث عن مرافقة الثورات ضد الأمويين، كان بعضها منسوباً للنبي، والبعض الآخر نسبوه للإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه، وعلى سبيل المثال ففي موقعة دير الجماجم بين الثوار على الأمويين والحجاج بن يوسف خطب في الثوار الفقيه عبد الرحمن بن أبى ليلى فقال فيهم "يا معشر القّّرّاء إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم، إني سمعت علياً يقول: أيها المؤمنون إنه من رأى منكم عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه فأنكره قلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أُجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف.. فذلك الذي أصاب سبيل الهدى.. فقاتلوا هؤلاء المحلّين المحدثين المبتدعين.." وكانت واقعة دير الجماجم سنة 83 هـ. ومع هزيمة الثوار الفقهاء إلا أن ثوراتهم لم تنقطع ضد الدولة الأموية ترفع لواء تغيير المنكر، وتدعمها أقاويل حماسية أصبحت تنسب للنبي وأصبحت الأحاديث تمثل الإطار الفكري للثورات، وأسهمت في تجميع الأنصار حول الدعوة الشيعية الغامضة للرضي من آل محمد، والتي أسست الدولة العباسية، ومن يراجع ما كتبه السيوطي في "تاريخ الخلفاء"(11) يجد فصلاً في الأحاديث التي كانت تبشر بخلافة بني العباس وتجعل الخلافة فيهم إلى يوم القيامة، وبعضها ينص على أسماء الخلفاء(12)، أي أن "إدارة الإعلام" في الدولة العباسية ظلت تصنع الأحاديث حتى بعد توطيد الدولة، وذلك لتبرير المظالم التي واكبت توطيد الملك العباسي خصوصاً في عهد السفاح والمنصور. وتلك المظالم العباسية، وسطوة الدولة العباسية على الفقهاء المثقفين الذين كانوا – من قبل -يستبشرون بها خيراً، أدت إلى إصابة المثقفين بخيبة أمل قوية في الحلم الذي تحول إلى كابوس إذ كانوا بين نارين أو أكثر، تصديق تلك الأحاديث وتكذيب ما يرونه بأعينهم من مظالم . وبين خيبة الأمل والخوف من الثورة أصيب أولئك المثقفون بحالة مرضية فريدة، إذ أصبح اسمهم البكائين، فتخصصوا في البكاء المفرط واتخاذه طريقاً للعبادة وإنفاق حياتهم في بكاء لا ينقطع، وقد ذكر ابن الجوزي ترجمة لأعيان هذه الطائفة في تاريخه المنتظم، ومع أنهم ظهروا قبل سقوط الدولة الأموية إلا أن تطورهم في العبادة بالبكاء وتقعيد هذه العبادة كان في عصر السفاح والمنصور، مما يجعل ذلك التطور من الزهد والحزن العادي إلى الصراخ المرضى مرتبطاً بخيبة أمل قوية في حلم تحول إلى كابوس.(13) واندثرت حركة البكائين وحل محلها اتجاه أكثر إيجابية في المقاومة خصوصاً بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل في موضوع خلق القرآن (218: 237 هـ) وفى هذه الفترة ازداد التلاحم بين الفقهاء أصحاب الحديث مع الشارع العباسي، وأثناء الشقاق بينهم وبين السلطة العباسية قال الحنابلة بحديث "من رأى منكم منكراً فليغيره.." على نسق الخطبة التي احتوت على مقالة منسوبة لعلى بن أبى طالب والتي ارتجلها الفقيه بن أبى ليلى في موقعة دير الجماجم. وتزعم هذه المقاومة من مدرسة ابن حنبل الفقيه أحمد بن نصر الخزاعي، الذي أعد العدة للثورة باسم تغيير المنكر، وتحركت الدولة العباسية سريعاً فاعتقلت الفقيه ابن نصر وأقامت محكمة عاجلة له أمام الخليفة الواثق، وقتله الخليفة بيده سنة 231 هـ وعلق رأسه على أبواب بغداد. وقد قام الحنابلة بدعاية مركزة ضد الدولة العباسية أسندوا الكرامات إلى الفقيه المقتول، وأتت تلك الحملة الدعائية المغلفة بالأحاديث والمنامات التي اقتنع بها في النهاية الخليفة التالي وهو المتوكل فاعتنق المذهب الحنبلي، وأفرج عن ابن حنبل وأصحاب ابن نصر، وأرسل كبار الدعاة لنشر الدعوة السنية في الآفاق سنة 234 هـ وبتأثير الحنابلة اضطهدت الدولة العباسية خصوم الحنابلة، مثل الشيعة والصوفية ، وبدأ تحقير أهل الكتاب بإلزامهم بزى معين سنة 235 هـ.(14) وكما صادر الحنابلة "الغير" من الصوفية والشيعة وأهل الكتاب أثناء نفوذهم فإن الإمام الطبري لم ينج منهم في أخريات حياته، حين خالفهم في تفسير الاستواء على العرش، فحاصروه في داره إلى أن مات داخلها، ولم يشفع له عندهم أن يكتب لهم رسالة في الاعتذار، كما لم تستطع الدولة العباسية حمايته منهم، فظلوا يرجمون داره حتى صارت الحجارة فوق داره كالتل العظيم وتحول بيته إلى قبر له.(15) وهذا هو التراث الحنبلي الذي تحمله الدعوة الوهابية، ويضاف إليه تراث ابن تيمية الفقهي والحركي في الهجوم على الصوفية والشيعة، مع أنهم كانوا في عهده أصحاب سطوة ونفوذ، خصوصاً الصوفية. ومع ذلك فإن عنف ابن تيمية تجلى في فتاويه التي تبيح قتل الزنديق بدون محاكمة، والزنديق ليس هو المرتد ولكنه المسلم الذي يؤمن بالله ورسوله والكتاب والسنة ولكنه يخالف المذهب السلفي في بعض آرائه. وقد نقل هذه الآراء فقهاء الحركة السلفية المعاصرون مثل أبى بكر الجزائري في مملكة آل سعود وسيد سابق في مصر.(16) فكل من أنكر أو ناقش مقولة سلفية أو شعاراً أساسياً للحركة مثل تطبيق الشريعة أو الشعار الغامض "المعلوم من الدين بالضرورة" فجزاؤه القتل بدون محاكمة وبدون استتابة عندهم. وبالتالي فإن الحديث عن تداول السلطة إذا وصلوا للحكم ليس له محل من الإعراب. ومن الطبيعي أن تتحول مصادرة الفكر إلى مصادرة للحق في الحياة، وإذا كان أصحاب الحديث قد تقربوا للدولة العباسية باختراع حديث الردة، لتقتل به الدولة العباسية خصومها السياسيين(17) فإن قتل الخصوم كان شريعة الثوار النجديين أسلاف الحركة الوهابية، وقد توسع أعراب نجد في قتل الخصوم في إطار الدعوة الدينية حين كانوا خوارج، وحين ثاروا في حركة الزنج وفى ثورة القرامطة. وفى كل الأنهار الدموية التي فجروها كان لهم تأصيل فكرى وتأويل مذهبي في إطار الدعوة التي يرفعونها، سواء، كانت خارجية أو شيعية. فالخوارج استباحوا قتل المسلمين، يقول الملطي (377 هـ) عن الطائفة الأولى منهم، إنهم كانوا يخرجون بسيوفهم في الأسواق حين يجتمع الناس على غفلة فينادون "لا حكم إلا لله"، ويقتلون الناس بلا تمييز(18) وهذا شبيه بما يفعله المتطرفون من تدمير المقاهي والشوارع لقتل الناس كيفما اتفق وحجتهم "الحاكمية" أي "لا حكم إلا لله " نفس مقولة الحاكمية الأولى من الخوارج. وفى حركة الزنج قتل الثائرون ثلاثين ألفاً حين استولوا على مدينة الأبلة في العراق سنة 256 هـ، وفى العام التالي دخل البصرة زعيم الزنج بعد أن أعطى أهلها الأمان، ولكنه نكث بعهده فقتل أهلها وسبى نساءها وأطفالها وأحرق مسجدها الجامع، وكان من بين سباياه نساء من الأشراف، وقد فرقهن على عسكره من الزنوج، وكانت السبايا العلويات تباع الشريفة منهن في معسكره بدرهمين وثلاثة، وحين استجارت به إحداهن ليعتقها أو ينقذها من ظلم سيدها الزنجي قال لها: "هو مولاك وأولى بك من غيره".(19)  وكان القرامطة أكثر وحشية في استباحة الدماء والأعراض، ومن موقع المعاصرة والمشاهدة روى الطبري بعض أخباره، منها أنه خصص غلاماً عنده لقتل الأسرى المسلمين، وأنه استأصل أهل حماة ومعرة النعمان وقتل فيهما النساء والأطفال، ثم سار إلى بعلبك حيث قتل عامة أهلها، وسار إلى السلمية وأعطاهم الأمان ففتحوا له الأبواب فقتل من بها من بني هاشم ثم اختتم بقتل أهل البلد أجمعين بما فيهم صبيان الكتاتيب، ثم خرج عن المدينة وليس فيها عين تطرف، ونشر الخراب والدماء في القرى المحيطة. أما ما فعله في الكعبة وقتل الحجاج فيها وإلقاء الجثث في زمزم، واقتلاع الحجر الأسود، فذلك ما استفاضت فيه الأخبار، وهذه الوحشية في قتل الأبرياء كانت تقوم على منهج فكرى أشار إليه النويري في حديثه عن التربية الفكرية لشباب القرامطة، كما أشار إليها الطبري في قصة واقعية لشاب اقتنع بالدين القرامطي وهجر أمه وأسرته مقتنعاً بالدين الجديد معتقداً استحلال الدماء.(20)  ولا تختلف مذابح الخوارج والزنج والقرامطة – وقادتهم من أعراب نجد أساسا- عن المذابح التي قام بها النجديون الوهابيون السعوديون في تأسيس الدولة السعودية الأولى، والدولة السعودية الثالثة الحالية، وقد وصلت تلك المذابح إلى العراق والشام والبيت الحرام وسائر مدن الحجاز ، وكان أكثر الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ. ولا تختلف هذه المدرسة الفكرية التي كان يعدها القرامطة لغسيل مخ الشباب عن الإعداد الفكري الذي كان فقهاء الوهابية يعدونه لشباب الأعراب النجديين في العقد الثاني من القرن العشرين والذي يتحول به الشاب الأعرابي إلى مقاتل عنيد يرى الجهاد في استحلال قتل كل من ليس وهابيا، وعن طريق هذا الإعداد الثقافي تكون "الإخوان " جنود عبد العزيز آل سعود الأشداء الذين أسسوا الدولة السعودية الحالية ، وكانت سمعتهم في القتل والتدمير ترعب قرى الشام والعراق، كما لا يختلف عن الإعداد الثقافي الذي تقوم به جماعات الإخوان وبقية التنظيمات العلنية والسرية في تاريخنا المعاصر والذي يجعل الشاب المسلم المسالم يستسهل تفجير الشوارع والمباني معتقداً أن ذلك جهاد في سبيل الله. كما لا يختلف ذلك عن الوحشية الهائلة التي يتعامل بها المتطرفون في الجزائر والمغرب وغيرهما مع أبناء الشعب المسالم من نساء وأطفال، وما حركة طالبان عن ذلك ببعيدة، فهم الذين تشربوا الفكر السلفي.

                            الخاتمة

وفى النهاية.. قد نختلف في تأويل حركة التطرف والإرهاب، قد يرجعها بعضهم إلى الفقر والظلم والفساد السياسي والاقتصادي واليأس لدى الشباب، ولكن متى كان المواطن في شمال أفريقيا وغيرها من شعوب العالم الإسلامي- متمتعاً بالعدل والرفاهية؟ إن الظلم في عصرنا أخف كثيراً من ظلم المماليك والعثمانيين وغيرهم. ومع ذلك فإن ظلم العصور الوسطى مع قسوته المفرطة لم يفلح في دفع المواطن في شمال أفريقيا وفي مصر والمغرب الأقصى على وجه الخصوص نحو العنف الدموي والتطرف لأن التدين في هذه المنطقة كان قائماً على الصبر والتسامح، وكان المواطن وهو يكد في إنتاج الخير للغير يلتقط أنفاسه لكي يسخر من الحاكم الظالم، فإذا شاهد الحاكم الظالم في موكبه سارع بالهتاف له في تسامح لا نظير له، فإذا مات ترحم عليه واستنكف من الشماتة في موكبه فيه قائلاً: اذكروا محاسن موتاكم، وسارع بتعليق أخطائه وخطاياه على الحاشية وحدها. وظل هذا المنطق وهذا التدين إلى أن حدث ذلك التغيير في الذهنية فانتشر الفكر السلفي الوهابي الذي يوجب مصادرة حقوق الآخرين تحت دعوى إزالة المنكر، خلافاً لتشريع القرآن، ويتوسع في إزالة المنكر ليشمل إزالة الدولة نفسها، ويتوسع في القتل إلى درجة قتل الأبرياء بعد الحكم بتكفيرهم، وبالتالي أصبح قتل الأبرياء جهاداً يتوجه نحو أبناء الوطن الواحد والدين الواحد. وصحيح أنه لابد من إصلاح سياسي واقتصادي فللتدهور الاقتصادي والاستبداد السياسي دخل في نشر التطرف وتغذية الحركة السلفية، ولكن الصحيح أيضاً أن الإصلاح الديني هو الأساس. ونحن هنا لا نبدأ من فراغ بل لدينا تجربة الإمام محمد عبده، وتجربة مالك بن نبي اللتان أجهضهما المشروع السلفي السياسي. ومن الغريب أن تنجح دولة وليدة هي السعودية في غزو أقدم دولة في العالم وهى مصر، وقلعة الفقه المالكي وهي المغرب تغزوهما بفكرها الغريب عن الطبيعة المصرية والطبيعة المغاربية، ومن الغريب أن هذه الدولة السعودية التي تعتبر أقصر عمراً من جريدة الأهرام وشركة عمر أفندي في القاهرة - تستحوذ على تقديس المصريين بسبب سيادة مفهومها الديني المخالف للإسلام وسماحته، فالحق يقال أنه إذا كان هناك فرق بين الإسلام والرؤى الفكرية البشرية للإسلام، فإن أقرب الرؤى للإسلام هي الرؤية الشمال أفريقية الأصيلة المتسامحة، وأبعدها عنه هي الرؤية النجدية المتشددة. ويبقى الحل في الرجوع إلى القرآن، نحتكم إليه في هذه القضية.. وصدق الله العظيم "أفغير الله أبتغى حكماً؟ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا؟".

عودة إلى الصفحة الرئيسية