تفتيت النظام السعودي
 بين أيزنهاوروبوش

         إن المراقب للعلاقة بين النظام السعوديوالولايات المتحدة والتي بنيت على أساس التبعية الكاملة يلاحظ أن العقد الذي تم بينالولايات المتحدة والنظام السعودي، وبدون رتوش، يتألف من طرفي معادلة طرفها الأولحماية النظام السعودي وتأمين تسلطه على شعب الجزيرة، وطرفها الثاني حماية المصالحالأمريكية وتنفيذ سياستها في المنطقة. وقد استلم أولاد عبد العزيز بن سعود المهمة من والدهم ونفذوها بدقة، وبما أن العقد المذكور لم يكن منطلقاً منإرادة مستقلة من أحد طرفي المعادلة، أو تناظر في القوة أو الموقف في طرفي المعادلةوإنما كان الطرف الأمريكي هو الأقوى وهو الذي يملي، فقد أصبح العقد يمثل تبعية وليسعقداً صحيحاً. وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن أي خلل يصدر من جانب الطرف الأول وهوالنظام السعودي تكون نتائجه سلبية على هذا النظام، وليس العكس صحيح. ففي الحالاتالتي يكون فيها النظام السعودي مقصراً في تنفيذ مأمورياته في نطاق تنفيذ السياسةالأمريكية، نجد أن الولايات المتحدة تلوّح بالتخلي عن حمايته، مما يدفعه إلىالاستغراق أكثر في تبعيته.
واقع طرفي المعادلة :
        في الواقع أن الولاياتالمتحدة، التي كانت تعيش عزلتها منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق (مونرو) في عام 1823 مبدأه، لم تكن بالمستوى الذي يؤهلها لأن تلعب دوراً كبيراً في الصراعالاستعماري القديم. ولعل السبب في ذلك هو أن نشوء الولايات المتحدة كدولة بحد ذاتهكان نتيجة للصراع الاستعماري القديم الذي كان أهم أطرافه بريطانيا وفرنسا، وبعداستقرارها كدولة أصبحت الولايات المتحدة مختبراً كبيراً لإنتاج النظرياتالرأسمالية، ساعدها في ذلك أن المغامرين الذين قدموا من أوروبا حاولوا في سباقمحموم إن يكوّنوا إمبراطوريات مالية كبيرة، مستفيدين من الثروات التي تمتلكهاالولايات المتحدة، وتجارة العبيد، وعملية نقل السجناء المحكومين بالأشغال الشاقة منبريطانيا إلى الولايات المتحدة، مع فكر ديني متعصب، جاء به البوريتانيونمن انكلترا، الذي أصبحت مخالفة تعاليمه يعني الكفر والحكم عليه بالموت. ومع التطورالذي حدث في وسائل الإنتاج والذي أدى إلى وفرة كبيرة في البضائع، كان الرأسماليونالأمريكان يفكرون خارج البحار التي تفصلهم عن العالم الآخر، وقد نشطت التجارة بشكلملفت للنظر، مما دعا الإدارات الأمريكية إلى أن تعمل على تأمين حماية لهذه التجارةالتي تشكل عنصراً مهماً في إدامة الحياة الأمريكية.
وجاءت الحرب العالميةالأولى لتضع حداً للعزلة التي اختارتها الولايات المتحدة. فالصراع الدموي الذيشهدته أوروبا في أراضيها والبحار والمحيطات في العالم، لم يكن خطره مقتصراً على دولأوروبا في صراعها من أجل الاستحواذ على العالم، فتجارة الولايات المتحدة هي الأخرىبدأت تتضرر، فإدامة الحرب قد استفادت منه المصانع الأمريكية وتضخم رأس مال الشركاتالأمريكية، ولكن مع مرور الزمن بدأت الدول المتحاربة تشعر بالإنهاك، مما يعني ذلكأن الاقتصاد الأمريكي سيتضرر هو الآخر، لهذا دخلت الولايات المتحدة الحرب لغرضحسمها.
       وبعد انتهاء الحرب بتسجيل نصر للحلفاء، والذي انضمت إليه الولاياتالمتحدة، لم تستطع أن تبقى في عزلتها، لذلك اختارت أولا أن تطرح نظرية استعماريةمخالفة للنظريات الاستعمارية القديمة، هذه النظرية التي طرحها (ولسن) الرئيسالأمريكي، تمحورت حول ما يسمى بالديمقراطية الأمريكية ممزوجة بالعامل الاقتصادي. وقد نضجت هذه النظرية بشروطها الأمريكية في السبعينيات إلا أن ثورة الفاتح من سبتمبر في ليبيا والثورة ـ الإسلاميةفي إيران ـ قد فاجأتا المنظّرين الأمريكان، الذين اضطروا إلى مزجها بالعامل العسكري،متراجعين عن أسس نظرية (ولسن). وقد طرحت أخيراً بما يسمى بالعولمة، الذيتحركت عجلات قطارها قبل إعلانها لتتوقف أولاً في الاعتداء العسكري المباشر على الجماهيرية الليبية ثم في محطة بنما، ثم تلتها أفغانستان،وأخيراً وليس آخراً محطة العراق.  
       أما النظام السعودي، الذي فرضت عليه العزلةمنذ إقرار وجوده بجهود مكتب الهند للمخابرات البريطانية، والتي قننت بمعاهدة دارينعام 1915م، وحتى عام 1927م (تاريخ معاهدة جدة) لم تكن رموزه من نتاج الرأسمالية،وإنما جاء نتيجة للنظرية الاستعمارية البريطانية، فبريطانيا قد أحكمت سيطرتها علىالخليج وأنشأت محمياتها فيه وطردت كل طرف يحاول أن ينافسها عليه، في الوقت نفسه لمتنس الصحراء الكبيرة التي تنفتح على غرب منطقة نفوذها، فعمدت إلى استثمار شهوة بنيسعود للتسلط القبلي التي يعيشونها كعقدة منذ أن طردوا من الرياض يجوبون الصحاريبحثاً عن مأوى يأويهم، وشكلت دولة كبيرة، مساحتها أكثر من مليوني كيلو متر مربع،يقودها بنو سعود بعقلية لم تكن تخدم سوى الترتيبات الاستعمارية، متناسية أن الشعبالذي يقطن هذه الأرض أنتج حضارة لا زالت وستبقى تشكل التحدي الكبير لفساد المدنيةالأوروبية.
         وبعد إفلاس بريطانيا بعد الحرب، وتراجع مكانتها الاستعمارية، وخروجالولايات المتحدة من عزلتها، وقرارها بتنفيذ نظريتها السياسية التي ذكرناها سابقاً،كان النظام السعودي مهيئاً ليكون نموذجاًلتطبيق احد جوانب هذه النظرية.  والواقع أن الولايات المتحدة قد استفادت كثيراً من النظرية البريطانية التيكانت تؤكد على إيجاد نظامين في المنطقة، يقول حاييم وايزمن ـ أول رئيس للكيانالصهيوني ـ في مذكراته: (إنشاء الكيان السعودي هو مشروع بريطانيا الأول... والمشروعالثاني من بعده إنشاء الكيان الصهيوني بواسطته)
وقد عملت بريطانيا علىإنشاء هذين النظامين بجدية. وهذان النظامان كانا يحملان نفس التوجه، ونفس الوسائل،رغم وجود الاختلافات نتيجة للظروف الموضوعية التي تحيط بهذين النظامين، فالكيانالصهيوني قد بني على أساس ديني يتمحور حول ما يسمى بأرض الميعاد، متبيناًأيديولوجية تنطلق من التلمود والتوراة، مستفيداً من كل العقد التي ظهرت في الغربسواء منها الاجتماعية، أو الفصل العنصري، معتمداً على مبدأين مهمين هما الاستحواذعلى المال والإعلام، مع بناء ترسانة أسلحة يوفر للكيان الصهيوني تفوقاً كبيراً فيالمنطقة. جاء في البروتوكول الأول من بروتوكولات حكماء صهيوني: (إن الاستبدادالمالي ـ والمال كله في أيدينا ـ سيمد إلى الدولة عوداً لا مفر لها من التعلق بهلأنها ـ إذا لم تفعل ذلك ـ ستغرق في اللجة لا محالة). وجاء في البروتوكولالثاني: (إن الصحافة التي في أيدي الحكومة القائمة هي القوة العظيمة التي بها نحصلتوجيه الناس) ، وجاء في البروتوكول الثاني عشر: (الأدب والصحافة هما أعظم قوتينتعليميتين خطيرتين ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر منالدوريات)،   أما النظام السعودي فقد بني أيضاً على أساس أيدلوجية دينيةمشابهة في انطلاقاتها وفي تطبيقاتها العملية لنظرية الكيان الصهيوني، مع الاستحواذعلى كل ثروات البلاد، مع هوس كبير في الحصول على اكبر قدر من الأسلحة للحصول علىتفوق في المنطقة.

           كان الكيان الصهيوني يطمح في أن يبني مجتمعاً صهيونياً بلباسغربي، كما أن النظام السعودي كان يحاول أن يبني مجتمعاً (سعودياً) بلباس غربي. وقدعمل النظام السعودي في إطار بناء هذا المجتمع بتكريس سياسته التي تحددت على الشكلالتالي:   
1 ـ إنشاء مؤسسة دينية قوامها الرجال الذين يستفيدون من حركة هذاالنظام في تحقيق مآرب شخصية.
2
ـ جعل المجتمع في الجزيرة العربية مؤلفاً منطبقات وتتحدد مكانة هذه الطبقات حسب الولاء للنهج الذي يتبناه النظام سواء الديني،أو الدنيوي.
3 ـ محاصرة الطوائف الإسلامية الأخرى، والتي لا تلتقي مع نهجه،تمهيداً لشطبها من مجتمع الجزيرة، مستخدماً أساليب كثيرة عمودها الفقري هو الاتهامبالشرك والكفر، مما حرم مجتمع الجزيرة من الطاقات الخلاقة التي تزخر بها الجزيرةالعربية، والتي من الممكن أن تساهم في دفع عملية التطور وعلى جميع الأصعدة. وقدأخذت هذه المحاصرة أشكالاً متعددة منها: حرمان أبناء الطوائف الأخرى من الدخول فيالقوات المسلحة، والدخول إلى الجامعات، والمساهمة في إدارة مؤسسات الدولة وفي جميعالمراحل التي تتألف منها التركيبة السياسية في البلاد، وكذلك حرمان أبناء الطوائفالأخرى من المساهمة في النشاط الاقتصادي، سواء الصناعي أو التجاري، حيث انحصرتالمكاسب في هذين القطاعين بالدرجة الأولى في المنتسبين لبني سعود، ومن والاهم مماخلق فوارق طبقية كبيرة.
4 ـ طرد جميع منتسبي الطوائف الأخرى من مجمل النشاطالديني في البلاد، سواء التبليغي، أو إدارة المؤسسات التابعة لوزارة الأوقاف،الشؤون الإسلامية ووزارة التعليم العالي ووزارة المعارف ووزارة الحج وغيرها وعلىرأس هذه المؤسسات هو إدارة الحرم المكي، ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)،والذي كان يدار من قبل الأشراف من أتباع المذهب المالكي.  
    هل كانت الولايات المتحدةتدرك خطورة سياسة النظام الداخلية على مصالحها؟:
   الواقع أن الإجابة على هذاالسؤال تأتي من خلال الإجابة على سؤال آخر يتعلق بمساهمة الولايات المتحدة في خلقهذه السياسة وتشجيعها.  إن المتتبع للعلاقة بين النظام السعودي والولاياتالمتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى أساس العقد الذي جرى بينهما، يجد أنالنظام السعودي لم يكن مستقلاً في اتخاذ القرارات سواء الداخلية منها أو الخارجية. فالولايات المتحدة التي كانت تدير هذه السياسة في الجزيرة من خلال شركات النفطوالمفوضين السياسيين المعتمدين لدى النظام السعودي، استطاعت أن تحول البلاد إلىولاية أمريكية في تنفيذ سياستها، ولربما تفوق هذه الولاية في تنفيذ هذه السياسة بعضالولايات الأمريكية التي تتمتع باستقلالية في تشريع القوانين. وسوف لا نستغرب ذلكإذا علمنا أن طبيعة نظام الحكم في الجزيرة تحدده الإدارة الأمريكية، يقول (ف. فماشين): وقد كشف الرئيس الأمريكي (ريغان) القناع عن حقيقة نظرة الولايات المتحدةللنظام السعودي عندما أعلن في الأول من شهر الحرث (أكتوبر) عام 1981مسيحي، في مؤتمر صحفي له جرى فيالبيت الأبيض. أن الولايات المتحدة لن تسمح بأن تخرج (المملكة العربية السعودية) منالمعسكر الغربي كما خرجت منه إيران، ولن تتيح (للعربية السعودية) أن تصبح إيراناً أخرى،ولن تترك مجالاً يمكن (للسعودية) أن تقع فيه في أيدي أولئك الذين يمكن لهم أنيقطعوا عن الغرب إمدادات النفط الذي يعتبر ضرورة حيوية بالنسبة إليه. وصرح بأعلىصوته على مسامع الملأ كلهم أن على واشنطن منذ اليوم تحديد النظام الذي يجب أن يكونفي هذا البلد وأية حكومة يجب أن تحكمه . وتأسيساً على ذلك أصبح لزاماً علىالولايات المتحدة أن تبرمج سياسة النظام الداخلية، فإنها عندما قررت حماية هذاالنظام مقابل حماية مصالحها، فإن الخطوات التي اتخذها النظام، والتي كان الغرض منهاحمايته، كانت في الواقع من وحي صناع القرار في الولايات المتحدة، وخاصة دوائرالمخابرات المركزية، ووزارة الدفاع والخارجية الأمريكيتين. فالمخابرات المركزيةالأمريكية تقوم بحمايته أمنيا وتقدم له المعلومات عن المعارضين، أو عن العسكريينالذين يفكرون بالانقلاب العسكري، كما أن وزارة الدفاع تقوم بإرسال المستشارين الذينيعملون كقادة حقيقيين للوحدات في جيش النظام، كما أن وزارة الخارجية تعمل على تحسينسمعة النظام في المحافل الدولية، إضافة إلى برمجة سياسته الخارجية. هذا الفعل قدسبب الكثير من الإحراج للولايات المتحدة أمام المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، بسببظهور النظام للعلن بأنه نظام دكتاتوري متسلط وينتهك حقوق الإنسان على كل المستويات. ففي الوقت الذي تعلن فيه الولايات المتحدة، ولأسباب سياسية، أنها تريد مساعدةالشعوب لنيل الحرية السياسية، وتعلن أنها تعمل على تحسين حقوق الإنسان في الأنظمة الدكتاتورية فإنها تستثني النظام السعودي من جميع إجراءاتها في هذا الصدد، أنسياسيي الولايات المتحدة يظنون أن الطفرة في العائدات النفطية، التي ستنعكس بشكلوسائل لهو ومتعة في البلاد، ستكون عاملاً مساعداً على عدم ظهور ردود فعل علىالسياسة التي ينتهجها النظام السعودي. كما أن القضية المشتركة التي هي في صلباهتمام الطرفين، وهي القضية الفلسطينية، والتي أصبحت من المحركات الأساسية للرفضالشعبي لكل الأنظمة الراكبة في القطار الأمريكي، وللوجود الأمريكي والسياسةالأمريكية برمتها، كانت تتطلب في الواقع هذا النهج الذي ينتهجه النظام السعودي فيالبلاد، كما أنه يريح الولايات المتحدة، رغم خطورة ذلك، والذي يدركه حتماً الساسةالأمريكان ويجهله أو يتجاهله النظام السعودي، لذلك فقمع انتفاضة المنطقة الشرقيةعام 1979مسيحي، وانتفاضة الحرم عام 1979مسيحي كانت تدار من قبل عناصرتابعة للمخابرات الأمريكية ونستنتج من ذلك أن الولايات المتحدة كانت هي وراء مايجري في داخل الجزيرة، وهي المسئولة عن تقنين هذه السياسة، إلا أنه يمكن القول أنهالم تكن تدرك حجم الخطر الناشئ عن ذلك قبل 11 /9/       2002 مسيحي، نعم كانت هناك مؤشراتلهذا الخطر بدأت بعد احتلال قواتها للجزيرة في عام 1990مسيحي بحجة تحرير الكويت، فردةالفعل التي أحدثها هذا الاحتلال لربما كانت أكبر مما توقعته، فالمأزق الذي وقع فيهالنظام نتيجة لذلك وابتعاد رجال كانوا محسوبين على مؤسسته الدينية، جعله يحاولبمشورة أمريكية أن يعلن عن إصدار قوانين تتعلق بالحكم ومجلس شورى. هذه القوانينالتي جاءت لتكريس سلطته، وتعبيراً عن استهزائه بعقلية مواطن الجزيرة، كان رد الفعلاتجاهها قاسياً على النظام. فالتفجيرات التي طالت بعض مؤسسات النظام، وتوّجت بتفجيرالخبر عام 1996مسيحي ضد مؤسسات الجيش الأمريكي في الجزيرة، كان إنذارا للولاياتالمتحدة بأن تعيد حساباتها في التعامل مع الوضع. وكانت الولايات المتحدة تتصور بأنالأساليب التي يعالج بها النظام السعودي هذا الوضع ستؤدي إلى ضبط الأمور، وربمااستكانت لهذه الترتيبات، رغم أن الأحداث طالت مؤسساتها في دول المنطقة، سواء منهاالمدنية كما حدث في تفجير السفارتين التابعتين لها في أفريقيا، أو العسكرية كما حدثفي تفجير المدمرة (كول) في اليمن.  
انهيار عناصر قوة النظام في الخارج:  
    كان التأثير الذي أحدثه انكشاف حقيقة النظام السعودي بعد عام 1990مسيحي ، على الأقلللذين ظلوا يؤمنون بالنظام، قد انعكس أيضاً خارج البلاد، هذا التأثير قد جعل مؤسساتالنظام التابعة لمؤسسته الدينية في الخارج، والتي تدار من قبل مواطني الدولالموجودة فيها، تعيش هي الأخرى حالة الانقسام، ولم يستطع النظام من تطويق هذاالانقسام إلا في زيادة عملها التخريبي داخل بلدانها، الذي اتخذ الطابع الطائفي،وكانت الباكستان، المركز الرئيسي لذلك، قد شهدت حوادث في هذا المجال بصورة أكثر منغيرها، كما أن التنسيق المخابراتي بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكيةوالمخابرات التابعة للنظام السعودي كان ينصب في هذا الاتجاه، مما يعني أن الأمر قدزاد خطورة، دون أن تقرر الولايات المتحدة، للحفاظ على مصالحها على الأقل، إيقاف هذاالعمل. وقد كان للارتياح الأمريكي لعمل الطالبان التخريبي تجاه الإسلام والمسلمينأثره الكبير في زيادة أخطاء النظام السعودي، التي هي أخطاء الولايات المتحدة.   
الترتيبات الأمريكية بعد 11 سبتمبر بين إظهار القوة وحقيقة الضعف:  
         فياليوم الثاني من تفجيرات نيويورك جلس أعضاء الإدارة الأمريكية ومخططوهاالإستراتيجيون ليعلن احدهم للآخر، أن السياسة التي اتخذتها الإدارات الأمريكية تجاهالمنطقة كانت خاطئة وهي التي أدت إلى هذا الحدث الذي لم تشهد مثله الولايات المتحدةسابقاً. وبدلا من التصرف بحكمة وروية، نجد أن الإدارة الأمريكية تصرفت بطريقة (الكاوبوي) سواء على مستوى ردة الفعل أو على مستوى النظرة الجدية لمجمل سياستها فيالمنطقة والعالم. وقد أظهرت نتيجة هذه المواقف عجزها أكثر مما أظهرت قوتها، فتحريكالأساطيل والتهديد بالغزو وقلب الأنظمة، في الواقع قد أرهب الأنظمة أكثر مما أرهبالشعوب. فالشعوب التي حكمت عليها الأنظمة ـ التي أوجدتها وحمتها الولايات المتحدة ـبالموت لمجرد محاولتها أن تظهر أنها من فصيلة البشر وليس من فصيلة أخرى، وجدت أنهافي الحسابات الاعتيادية أن الموت يساوي الحياة، بل أن الموت إذا قنن على الطريقةالمثلى فإنه يهب الحياة، وهكذا اختارت الولايات المتحدة أن تبدأ بالدوران من مرحلةالصفر كما بدأتها أول مرة.  من جانب آخر سربت الإدارة الأمريكية بعض الأفكار حولالنظام السعودي الذي يعتبر بعد انهيار نظام الشاه، الدعامة الرئيسية لتنفيذ السياسةالأمريكية ولحماية مصالحها. هذه الأفكار التي استلمتها وسائل الإعلام الأمريكية،تتمحور حول فشل النظام السعودي في أداء دوره تجاه تنفيذ السياسة الأمريكية، وبدأتتتوسع هذه الوسائل في هذا الموضوع، التي دخل معها بعض رموز الإدارة الأمريكيةالحالية، والإدارات السابقة، مكونين جبهة عريضة تطالب الإدارة الأمريكية برفعالحماية عن النظام السعودي، بل اعتباره العدو رقم(1) للولايات المتحدة.  
هلأن النظام السعودي قد قصر فعلاً في التزاماته:  
       يخيل لبعض المراقبين لتصريحاتومواقف الأمريكان ، والتي تخص العلاقة مع النظام السعودي أن هناك تيارين داخلالإدارة الأمريكية، أو المجتمع الأمريكي، إلا أنه في الواقع ليس هناك أي انقسامداخل المجتمع الأمريكي تجاه النظام السعودي، فالإدارة الأمريكية تدرك جيداً أنالنظام السعودي لم يقصر أبداً في التزاماته نحوها بل زاد في بعض الأحيان في أن تصرف خارجهذه الالتزامات ظناً منه أن الإدارة الأمريكية ستزيد من مستوى درجاته في السلوك،الأمر الذي كان خطأ في حسابات الولايات المتحدة، فمثلاً كان دعم التيارات المغطاةبغطاء إسلامي، والتي تم التفاهم عليها بين المخابرات المركزية الأمريكية والنظامالسعودي، لتفتيت وحدة شعوب المنطقة نتيجة لإثارة الصراع الطائفي، وإشاعة التكفيروالحذف والإقصاء للآخرين. وقد كان النظام السعودي يعمل ضمن هذا السقف، إلا أن طموحاته كانتدافعاً في تجاوز هذا السقف، حيث قام بتشكيل جماعات ومراكز قوى خارج نطاق التفاهمالذي تم بينه وبين الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى أولاً إلى كشف حقيقة هذهالتيارات، وثانياً إدراك الشعوب لحجم جريمة الولايات المتحدة.
وبنظرة سريعةلمجمل نشاط النظام السعودي خلال العقدين الماضيين وبالتحديد منذ الفترة الفهدية فيحياة النظام، نلاحظ أن النظام السعودي كان أميناً على تنفيذ مفردات السياسةالأمريكية بكل جدية.   فعلى مستوى السياسة النفطية استطاع أن يبعثر جهود منظمة أوبكفي ضبط أسعار النفط بما يحقق الحد الأدنى من حقوق شعوبها في ثرواتها المنهوبة،وإهداء مليارات الدولارات إلى خزائن الولايات المتحدة وبريطانيا من أموال المسلمينعن هذا الطريق كما يقول السيد حسين موسوي رئيس وزراء الجمهورية الإسلامية في إيرانفي الثمانينات حيث قال: ليس هناك ما يبرر عمل (السعودية) بإهداء ثمانية مليارات منالدولارات من بيت مال المسلمين للعالم الصناعي كأمريكا وبريطانيا، وأن هذا العمليثير ثائرة الشعوب ولن يكون في صالح هاتين الدولتين. قال رئيس شركة النفط الحكوميةالفنزويلية أن السعودية ضخت ما يصل إلى 12 مليون برميل يومياً في نوفمبر 1997مسيحيعندما كانت حصتها الرسمية في أوبك لا تزال ثمانية ملايين برميل يومياً
منجانب آخر كان النظام السعودي قد عمل طيلة فترة القرن العشرين الميلادي على تنفيذسياسة إجرامية أدت في النتيجة إلى قيام الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية، ومنثم قام بعمل مصدات لحمايته من الغضبة الجماهيرية في المنطقة، كما عمل على قيادةأنظمة المنطقة في هذا الاتجاه. وفي الفترة الفهدية كان العمل أكثر شمولية، فبعدبداية نزع الأقنعة في اتفاقية كامب ديفيد، طرح فهد مبادرته في القمة العربية فيالمغرب عام 1982مسيحي والتي تبنتها الأنظمة العربية، لتكون البداية العملية لإنهاءالصراع الفلسطيني الصهيوني . وبعد سقوط الأقنعة في حرب الكويت عام 1990 مسيحي استطاعقيادة الوضع الرسمي العربي باتجاه اللقاء الكلي مع الكيان الصهيوني، والذي توّجباتفاقيات أوسلو، ومحاصرة الشعب الفلسطيني وتحويل الجهاد الفلسطيني من عمل مشروع ـحتى لدى الدول الأوروبية ـ إلى عمل إرهابي لابد من محاربته. وكانت المعادلة التييؤمن بها النظام السعودي. منذ بداية الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني، هو أن قيامالكيان الصهيوني وحمايته هو سبب لبقائه. يقول السناتور الأمريكي (كيس) من ولايةنيوجرسي في إحدى اجتماعات مجلس الشيوخ الأمريكي: (السعودية تفهم أن ضمان مصالحهايعتمد كلية على قوة إسرائيل في المنطقة، وحجم الدعم الأمريكي لضمان هذه القوة، لأنهذا النظام سوف يمسح من الوجود بمجرد أن تتعطل إمكانية أمريكا في التدخللإنقاذه ) ، أما على صعيد التواجد العسكري فقد كانت الفترة الذهبية في حياةهذا التواجد هي الفترة الفهدية، فقد ازداد حجم التواجد، سواء البري أو الجوي أوالبحري، زيادة كبيرة. وقد وصل إلى قمته في عام 1990مسيحي. أما بناء القواعد الجويةوالمواقع العسكرية الأخرى فقد ازداد حجمه أيضاً، يقول (ف. ف ماشين) في كتابه الخليج العربي في سياسات الغرب: أن سنواتالثمانينات حملت إلى (المملكة العربية السعودية) أكثر من 40 ألف عسكري... ومن بينهؤلاء قرابة (1500) موظفاً يساهمون في برنامج الأمن، ونحو (2000) أمريكياً يعملونتنفيذاً للاتفاقيات العسكرية. وكان مجرد كشف هذه الأمور يسبب رعبا للسعوديين وهذا ما يفسر الرد الألاّ أخلاقي الذي قاطع به عبدالله آل سعود كلمة القائد معمر القذافي في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في شرم الشيخ ، كما اتبعت الولايات المتحدة فكرة التخزينللمعدات والأسلحة في الجزيرة لتكون هذه المعدات في متناول القوات الأمريكية فيما  لو استدعيت لاحتلالها ، أو لمعالجة وضع ما في المنطقة كما جرى في عام 1990مسيحي، كما كتبت صحيفةنيويورك تايمز تعليقاً على بيع الولايات المتحدة للنظام السعودي في ربيع عام 1983مسيحي (1200) دبابة نوع (MI أبرامز، فقالت: يغدو بيع هذه الدبابات شكلاً لنشر الأسلحةالثقيلة في منطقة عمليات محتملة للقيادة المركزية للقوات الأمريكية، فإذا ما أرسلتالقوات الأمريكية إلى (السعودية) فستكون أسلحتها الثقيلة التي يصعب شحنها قد سبقتهاإلى هناك. ويقول الخبراء العسكريون: إن عدد الدبابات التي ستشتريها (السعودية) يكفيلتسليح ثلاث فرق في الجيش الأمريكي . كما عمد النظام السعودي إلى إنشاء وترتيبالقواعد العسكرية في البلاد لتكون ملائمة لعمل القوات الأمريكية ومن جميع النواحي،يقول (ريتشارد ميرفي) سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى النظام السعودي بين عامي 1981ـ 1983مسيحي في مقابلة مرئية على قناة (PBS) يوم 12/2/1992مسيحي : بأن الجنود والضباط الأمريكيين لا يشعرون بغربة في تلك القواعد.. أنهم يستخدمون طائرات أمريكية، وقواعد أمريكية، ونمط حياة أمريكي، ومختلف التجهيزاتتأتي من الولايات المتحدة، وهناك أكبر محطة وقود للطائرات في العالم.. أنهم يشعرونبأنهم في بلادهم. ويقول (س. هندرسون): قدمت السعودية تسهيلات واسعة لإقامةالمواطنين الأمريكيين في (السعودية) بما في ذلك البعثات العسكرية الاستشاريةالمبالغ في عددها ونوعية عناصرها. ذلك يشكل جالية أمريكية ضخمة تلعب في نهاية الأمردور (النافذة الزجاجية الشفافة) للضمانات الأمريكية . كما أن رد النظامالسعودي بعد تفجيرات 11/ 9 كان في أحسن صوره، فقد بكى آل سعود أكثر منالأمريكان على هذه الأحداث، واستنكروها، وأعلنوا براءتهم من ابن لادن الذي يفتخرونبأن اسقطوا جنسيته، وكأن عملية إسقاط الجنسية يعني إلغاء انتمائه الحقيقي لبلده، أوتعني مسح الشعارات التي يرفعها. كما أنهم أعلنوا بأن (السعوديين) الخمسة عشر الذيناتهمتهم الولايات المتحدة بالقيام بتفجيرات 11/9، لا يمثلون البلاد. كما أنالنظام السعودي وبحركة ظنها بارعة قام بعد يوم واحد من تلك الأحداث بإيقافالاتفاق مع منظمة أوبك، وقام بضخ 9 ملايين برميل نفط إضافية للولايات المتحدة، يقولالكاتب ديفيد أوتاوا: بعد يوم واحد من وقوع الهجمات الإرهابية على البنتاغون ومركزالتجارة العالمي، استدعى (ولي العهد السعودي) وزير النفط علي النعيمي وقررا بسرعةإلغاء القرار الأخير لمنظمة الأوبك بإيقاف إنتاج النفط وبدلاً من ذلك قررت السعودية ضخ 9 ملايين برميل إضافية إلى الولايات المتحدة لإظهار دعمها للحليف المجروح (أمريكا) ولتأمين احتياجاتها النفطية، ولمدة اسبوعين كانت السعوديةتشحن بواسطة ناقلاتها النفطية (500.000) برميل أو أكثر يومياً إلى أمريكا مجاناً. هذه العملية ساعدت على انخفاض سعر النفط من 28 دولار للبرميل في أواخر الشهر الثامن من عام 1991مسيحي إلى أقلمن 20 دولار .

الموقف الأمريكي تجاه النظام السعودي بعد
 11/9/ 2001 مسيحي :

        أصبح واضحاً لدى جميع الدوائر الأمريكية أن حماية النظام السعودي قدسببت كوارث للولايات المتحدة. وكانت الولايات المتحدة تعتقد بأن بعد الأراضيالأمريكية عن بؤر التوتر ومسارح الصراع في العالم يجعلها في مأمن من التعرضللكوارث، مستندة إلى ما جرى في الحربين العالميتين في القرن العشرين الميلادي. لذلكفإن الترتيبات الأمنية التي تتخذها لمؤسساتها المتواجدة في بقاع العالم، سواء منهاالدبلوماسية أو العسكرية أو المخابراتية تهتم بها أكثر من اهتمامها بالترتيباتالأمنية في داخل الولايات المتحدة، إلا أن ما حدث في 11 /9/ 2001م، جعل الولاياتالمتحدة تعيد النظر كثيراً في أساليب ترتيباتها الأمنية، سواء على المستوىالاستراتيجي أو المستوى العملياتي . فإيجادها نظام الطالبان كان خطأ لذلك لابد منإصلاح هذا الخطأ بإزالته، فنظام الطالبان أصبح ملجأ للذين تصنفهم بالإرهابيين لذلكفالموضوع لا يتركز حول شخص ابن لادن بقدر ما يتعلق بالحجم الكبير من الذين تسميهم (الأفغان العرب) كما أن حماية النظام السعودي بهذه التركيبة كان خطأ لذلك لابد منإيجاد مخرج لهذا الوضع، إلا أن النظام السعودي يختلف عن نظام الطالبان، رغم التشابهفي الطرح. فالنظام السعودي قد خدم السياسة الأمريكية بشكل صادق وليس فيه تردد. كماأن إجراء ترتيبات وفق النظرة الجديدة تحتاج إلى تهيئة أرضيات مناسبة، كما تحتاج إلىمناورات سياسية، لا لأن تغيير النظام السعودي من الناحية الفنية صعباً، بل قد يكونأسهل بكثير من تغيير نظام طالبان، ولكن الظروف الموضوعية التي تحيط بالمنطقةوالأكاذيب التي خلقتها الولايات المتحدة حول هذا النظام والدور الذي لعبه ويلعبه فيأكثر قضايا شعوب المنطقة حساسية، وتركيبة الأنظمة الموجودة في المنطقة، وآليةالارتباطات بينها وبين الولايات المتحدة، هي التي تجعل الولايات المتحدة تتحرك وفقهذه النظرة الجديدة بحذر، وكذلك بطريقة الخطوة خطوة التي تؤمن بها السياسةالأمريكية.  وقد بدأت الولايات المتحدة حملتها لمحاصرة النظام السعودي بتسريبأخبار بوجود نية لدى الإدارة الأمريكية بإجراء ترتيبات في الجزيرة تستهدف تغييرالجغرافية السياسية فيها، وإنهاء دور بني سعود في خدمة المصالح الأمريكية، والذياستمر قرن من الزمن. وقد ركزت الحملة في البداية على موضوع حساس وهو الاستبداد وكأنالولايات المتحدة والعالم قد فوجئوا بهذا الاستبداد. كما شملت الحملة إظهار النظامالسعودي بأنه، ورغم الإجراءات التي اتخذها، بأنه كان مقصراً فيما يسمى (الحرب علىالإرهاب)، فقد كتب ستانلي ريد في مجلة نيوزويك قائلاً: كانت أمريكا تدعم ولفترةطويلة جداً القيادة السعودية التي تتصف بالفساد وكانت تسمح بتعبير سياسي ضدها بشكل محدود جداً. أماإذاعة BBC فقد علقت قائلة: أن الفقر والمجاهدين الإسلاميين في تصاعد داخل (السعودية) والحكومة ربما لا تكون قادرة على احتوائهما معاً. إن الثروة النفطيةالهائلة التي تعزز الحكم (السعودي) توزع بصورة قليلة وسط الكثافة السكانيةالمتصاعدة لذلك فقد تسلل الفقر ببطء إلى المجتمع (السعودي). وورد أيضاً في وكالة (MSNBC) في 3 /12/ 2001مسيحي: أن العائلة المالكة تضخ النفط ولكنها تدعم المدارس التيترّوج الرؤى المضادة للغرب. يقول بعض المحللين أن القبضة الحديدية للعائلة المالكةعلى السلطة وعلماء الدين المعينين من قبل العائلة المالكة قد جلب الاستياء الشديدوالساخن إلى الشعب المتعطش لحريات الإنسان الأساسية. أما جونثان ريك فقد كتب في نيويوركتايمز يقول: إن انتقاد الولايات المتحدة ليس فقط بسبب مشاركة (الإرهابيينالسعوديين) في هجمات 11 /9  ولكن أيضاً بقاء (السعودية) كنظام حكم استبدادي لميعط حقوق المرأة والأجانب والأقليات الدينية على الرغم من إنفاق ملايين الدولاراتفي الدفاع والإنفاق العسكري .أما اخطر ما جاء في هذه الحملة، والذي كشفت عنه صحيفة واشنطنبوست في عددها الصادر يوم 6 /8/ 2002مسيحي، هو التقرير الصادر من مجلس استشاري وزارةالدفاع الأمريكية، الذي اعتبر فيه (السعودية) دولة معادية للولايات المتحدة، وتساندالإرهاب الأصولي، وطالب باستهداف حقولها النفطية وأصولها الخارجية إذا لم تذعنالرياض وتغير مواقفها الداعمة للحركات الأصولية. وأضافت الصحيفة إن معد التقرير هو )لوران مورافيتش) الباحث في مؤسسة راند كوربوريشن، ووصف فيه السعوديين بأنهم نشطاءعلى جميع مستويات سلسلة الإرهاب. ومضت واشنطن بوست قائلة أن التقرير قدم يوم 10/7/2002مسيحي إلى مجلس السياسات الدفاعية ويضم مثقفين ومسئولين سابقين ويقدمالنصيحة للبنتاغون بشأن السياسات العسكرية.  أما تصريحات بعض أعضاء الكونغرسالأمريكي فكانت أكثر تحديداً من وسائل الإعلام، فبيتر كنغ ـ وهو أحد أعضاء مجلسالكونغرس الكبار وممثل مدينة نيويورك عن الجمهوريين ـ يقول في تصريح له يوم 21/4/2002 مسيحي: يجب اعتبار (السعودية) بأنها العدو في هذه المرحلة، وأضاف أن (السعوديين) أعداؤنا بالكامل في هذهالمرحلة. أما (توم لانتوس) عضو الكونغرس الأمريكي من الحزب الديمقراطي في تصريح للبي بي سي يوم 1/7/2002 مسيحي يقول فيه: إن الولايات المتحدة أنقذت بيت آل سعود. لو لم نفعل ما فعلنا لصار بيت آل سعود الآنمجرد فيلا في الريفيرا وليس دولة مهمة في المنطقة. وقال عضو الكونغرس (سامباونباك): إن النواب الأمريكيين يعدون مشروع قانون يعتبر الولايات المتحدة في حالةحرب مع (السعودية). وانتقد النائب مايكل بارون إعلانات (السعودية) التلفزيونيةوالمذهب الوهابي والأسرة الحاكمة والإعلام والمؤسسات الدينية زاعماً أنها السببوراء مشاركة (السعوديين) في أحداث 11/9  ( الجزيرة نت 19/6/ 2002 .
       إذن أصبح واضحاً أنالولايات المتحدة تستهدف من هذه الحملة أمرين: الأول: هو امتصاص نقمة شعوب المنطقةتجاه ما تفعله من جرائم بتعليق هذه الجرائم على شماعة النظام السعودي المنهار، والثاني إظهار نفسها بأنها نصيرة الشعوب التي ستحقق لها الديمقراطية بإلغاء هذه الأنظمة.  

فكرة تفتيت النظام السعودي:  
        في الواقع أن موضوع تفتيت النظام السعوديوتحويل الجزيرة إلى أكثر من دولة، لم تكن جديدة في واقع السياسة الأمريكية. فكماقلنا سابقاً أن الطرف الضعيف في المعادلة، التي تتشكل من طرفين، كان مهدداً منالطرف الثاني القوي في حالة تقصيره بالالتزامات التي تقررت عند إجراء العقد بينهما. ولما كانت الولايات المتحدة تنظر بنظرة استعلائية لشعوب المنطقة فقد أورث ذلكسياسييها الجهل بحقيقة طبيعة شعوب المنطقة وبالتالي تجاهل طموحاتهم. فقد كانت تعتقدأن هذه الشعوب يمكن أن تنساق بمجرد وضع أنظمة عميلة مزودة بأجهزة قمع وإمكاناتأمنية وعسكرية. كما أن الطفرة في العائدات النفطية جعلها تظن أن توسيع النزعةالاستهلاكية داخل هذه الشعوب، سيوفر لها، إضافة إلى المردود الاقتصادي، تغييراً فيالقيم والمفاهيم التي يحملها أبناء هذه الشعوب، مما جعلها تطمئن إلى المستقبل. ورغمأن انهيارات نظام الشاه في إيران، ونظام هيلاسيلاسى في إثيوبيا ونظام إدريس السنوسي في ليبيا ، كانت أكبر ضرباتتتعرض لها الولايات المتحدة، وأشارت إلى فشل نظرية الأنظمة العميلة التي تحكمشعوبها باستبداد، إلا أنها لم تستفد من الدرس، بل على العكس قامت باستبدال رموز بعضالأنظمة بأشخاص يمتلكون جرأة في محاربة أبناء شعوبهم إلى درجة لا يمكن تصورها أنتحدث في القرن العشرين الميلادي، الذي صنف بأنه قرن التخلص من الديكتاتوريات، كمافعلت في العراق عام 1979مسيحي ، الأمر الذي سجل خطأ في سجل أخطاء الولايات المتحدة. كماأنها أمعنت في محاربة المد التحرري الذي جاءت به الثورات الثلاث خاصة الثورتين الإسلاميتين في ليبيا وإيران، مستخدمة نفس الأساليب القديمة، ومعتمدة على براعة النظام السعودي في هذاالمجال.  ولو عدنا إلى الوراء وتحديداً إلى الخمسينيات من القرن العشرينالميلادي، وقمنا باستقراء الخارطة التي كان النظام السعودي يتحرك بموجبها نلاحظ أنهبعد هلاك (الملك) عبد العزيز في نوفمبر 1953مسيحي ، واستلام ابنه سعود السلطة، كانالنظام السعودي يعيش تحت هاجس الخوف من الانقلاب العسكري الذي أطاح بالنظام الملكيفي مصر بفعل الثورة الناصرية عام 1952مسيحي، لذلك ظن سعود أن بعض التصريحات والمواقف التكتيكية قد تجعلوضعه متوازناً، فتحت تأثير الشعارات التي رفعها الثوريون في مصر، واندفاع شعوبالمنطقة لتأييد هذه الشعارات كان النظام السعودي يجد نفسه معزولاً، لهذا لابد منإبداء بعض المرونة في تأييد هذه الشعارات. وقد تورط سعود في بعض المواقف التي حسبتأنها تجاوز للخطوط الحمراء التي وضعت بالاتفاق المعقود بين الطرفين.  ففي صيف 1954مسيحي أثار الاستياء في واشنطن طلب (السعودية) من الولايات المتحدة أن تغلق بعثتهاالخاصة بالمساعدة الفنية في (السعودية) وتسحب العاملين فيها. والظاهر من تتبعحركة النظام السعودي في هذه الفترة، أن هذا الموقف الخطير قد اتخذه سعود دون موافقةبقية أفراد العائلة، وخاصة فيصل، (والذي كان معروفاً بشكل أفضل وكان يحظى باحترامأكبر من إدارة إيزنهاور). وقد استند سعود في هذا الموقف على خوفه من قيامالجيش بنفس العمل الذي قام به الناصريون في مصر. يقول بنسون لي جريسون: وكانتالحكومة (السعودية) من جانبها مترددة إزاء الحصول على أسلحة أمريكية، ليس فقط لنقصالنقد الأجنبي وإنما أيضا لأن الأسرة المالكة كانت لا ترغب في تحديث قواتها المسلحةإلى الحد الذي قد يشكل تهديداً بالإطاحة بالنظام من خلال انقلاب عسكري ونتيجة لهذا الأمر وقيام سعود بإطلاق تصريحات اتجاه الكيان الصهيوني دون الاتفاق معالولايات المتحدة، فقد اعتبر ذلك في الإدارة الأمريكية خللاً كبيراً في بناءالمعادلة التي ظهرت نتيجة العقد بينهما. وقد استغلت بريطانيا هذا التطور في العلاقةبين الجانبين لدعم موقفها في الصراع على واحة البريمي لجعل موقف الولايات المتحدةبجانبها.
       وعلى ضوء ذلك فقد طرحت فكرة تهديد النظام السعودي بعملية التفتيتوإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل سيطرة ابن سعود على البلاد، وقد عمدت الإدارةالأمريكية على تسريب هذا الأمر عن طريق (واغونر) السكرتير الأول في سفارة الولاياتالمتحدة في دمشق.  ففي 27/1/ 1956مسيحي أرسل السفير البريطاني رسالة بالغة السريةإلى رئيس الدائرة الشرقية في وزارة الخارجية في لندن ( رقم 1056/ 6/ 56 ملف FO 371/ 1/ 120764) قال فيها: نظراً لاختلاف وجهات النظر الذي منع الأمريكيين ومنعنا منالاتفاق على سياسة مشتركة تجاه العربية السعودية، رأيت أنكم قد يهمكم حديث جرىمؤخراً بين أحد مسئولي سفارتي وبين السيد واغونر (WAGGONER) السكرتير الأول فيسفارة الولايات المتحدة في دمشق... وأضاف واغونر قائلا إن أحد الحلول يتمثلفي التخلص من العائلة المالكة في السعودية، وذكر بعد ذلك أن ابن جلوي حاكم منطقةالإحساء، قد لا يكون ممانعاً في أن يصبح مستقلاً. وفي هذه الحالة، يتحرك الهاشميون (الأردن والعراق) للاستيلاء على الحجاز، ولينعم السعوديون بالصحراء .يقولد. تيسير كاملة: هذا الأسلوب، (أسلوب تسريب المعلومات عن طريق البوابة الدبلوماسيةالخلفية والشخصية البحتة) يعيد إلى الأذهان مبدأ أمريكياً واضحاً الآن، خصوصاًبعد أوسلو وديتون وحرب الخليج، وهو أسلوب يعتمد على إمساك العصا من منتصفها، بهدفالاستنزاف المالي والنفطي والاقتصادي، وتمييلها حسبما تتطلبه مصالح واشنطن، وذلكبشكل لا يموت معه الطرف المهزوم، ولا يقوى كثيراً الطرف المنتصر، حتى وإن كان عميلالأمريكا. ضمن هذا السياق، أبقت الوضع في الخليج على ما هو عليه، ونشرت وتنشر لوائحبأسماء الدول العربية والإسلامية المساندة للإرهاب وضمن هذا السياق أيضاً نشرتمراكز دراسات إستراتيجية أمريكية غير بعيدة عن مراكز اتخاذ القرار السياسي فيواشنطن . إذن فإن موضوع تفتيت النظام السعودي لم تكن مسألة مستحدثة وإنماهي مسألة قديمة، وظهورها أو سترها يعود إلى طبيعة حركة النظام السعودي والتزامه فيتنفيذ السياسة الأمريكية، وضمان مصالحها. فالولايات المتحدة أو الغرب يريدون ضمانمصالحهم، فأي شكل سياسي في الجزيرة يؤمّن هذه المصالح فسيكون هو الشكل المختار،يقول جورج غالوي النائب العمالي في البرلمان البريطاني عن بعض المسؤولين الذينجاءوه وتحدثوا معه حول موضوع النظام السعودي: كل هذا النوع من المسؤولين جاؤوا إليّفي مقهى البرلمان وتحدثوا عن نجد، والحجاز وغير ذلك ، كان نقاش هؤلاء المسؤولين ينطلقمن فكرة المصالح النفطية للدول الغربية في الجزيرة ومخاوفهم من تصاعد سلطةالإسلاميين في (السعودية).. وفي حالة عدم رضا الإسلاميين عن تواجدنا في بلادهم، إذندعونا نقيم دولتين (سعوديتين).. دع المسلمين يديرون مكة والمدينة فنحن ليست لناأطماع بإدارة أماكنهم المقدسة، أن اهتمامنا منصب على النفط.. وهناك شرخ ديمغرافيواضح بين الإقليم الشرقي وبقية الأقاليم فهناك نسبة 25 في المائة من سكانه من الشيعة.. و (السعودية) رفضت حتى الآن دعم الحملة الأمريكية لضرب العراق، ومن هنا فإنها ستقومبجعل (السعوديين) يدفعون ثمن عدم تعاونهم معها .

ما هي ردود فعلالنظام السعوديتجاه الحملة الأمريكية:
إن النظام السعودي في الواقع ينظرإلى الحملة الأمريكية ضده بنظرة جدية، لأنه على الأقل يعرف طريقة متبوعة فيالسياسة، والتي عاش في كنفها أكثر من خمسين عاماً. لذلك نراه قد استنفر كل أجهزتهلمواجهة هذه الحملة. وقد سارت جهوده على مسارين: الأول هو المسار الدبلوماسي الذييقوم به بندر سفير النظام في واشنطن، والذي استطاع على مدى السنوات التي كان فيهابهذا المنصب من إقامة علاقات قوية مع بعض الرموز في المجتمع السياسي الأمريكي،والتي استهلكت الملايين من الدولارات. وكذلك تحركات سعود الفيصل وزير الخارجية،والاتصالات التي قام بها عبد الله بن عبد العزيز منذ أن كان وليا للعهد. وكان من نتيجة هذهالاتصالات والعمل الدبلوماسي أن أخذ يصرح مسؤولوا البيت الأبيض بأن العلاقات بينالولايات المتحدة والنظام السعودي علاقات قوية ومبنية على أسس متينة. هذه التصريحاتقد تطمّأن بني سعود قليلاً إلا أنهم يعرفون جيداً بأن ما يجري خلف الكواليس يختلفتماماً عما يصرح به مسؤولوا الإدارة الأمريكية. لذلك نشطوا في المسار الثاني الذيكان يركز على إقامة حملة في الغرب بصورة عامة والولايات المتحدة بصورة خاصة لإظهارالنظام السعودي بوجه آخر يتصف بأنه حليف جيد للولايات المتحدة والغرب، وأنه مؤيدللحملة الأمريكية على ما يسمى (بالإرهاب) فقد صرح سفير النظام السابق في لندن (غازيالقصيبي)، الذي أقصي من منصبه في 16 سبتمبر 2002م، وعين وزيراً للمياه ضمن ترتيباتالنظام لإظهار أنه ضد (الإرهاب) حيث نشر القصيبي قصيدة يمجد بها بالاستشهاديينالفلسطينيين، قائلاً: أن (المملكة العربية السعودية كانت بالدرجة الأولى أول من عرفمآسي الإرهاب مشيراً إلى أنه وحتى قبل أحداث 11/ 9 فإن (المملكة) كانت في طليعةالذين يحاربون الإرهاب كما أنها أول دولة حذرت من نشاطات أسامة بن لادن بأن نزعتعنه الجنسية (السعودية).. إن بلاده لعبت دوراً ريادياً في تأسيس الاتفاقية العربيةلمحاربة الإرهاب كما لعبت دوراً مماثلاً داخل مجلس التعاون الخليجي. وأكد القصيبيأنه وعقب جرائم 11 سبتمبر فإن (المملكة) كانت أول الدول التي أدانت تلك الجرائمالشنيعة وانضمت للحملة الدولية للحرب ضد (الإرهاب). كما أيدت (المملكة) قراراتالأمم المتحدة المتعلقة بمحاربة الإرهاب والتزمت بتنفيذها بدقة. وقال القصيبي أن(العلماء) في (المملكة) أعلنوا بوضوح كامل إدانتهم (للإرهاب) في كل صوره وأشكاله. كما أن المؤسسات المالية (السعودية) تعاونت بصورة كاملة مع الجهود العالمية التيهدفت للتأكد من عدم وصول التبرعات المالية لمنظمات الإرهابيين، وأضاف أن الجهاتالأمنية (السعودية) حافظت على حوار نشط مع الجهات المماثلة في البلدان الصديقةبهدف التعاون وتبادل المعلومات، مشيراً إلى أن (المملكة) قامت مؤخراً باعتقال عدة أشخاص يشتبه في أن لهم نشاطات إرهابية مما يمثل دليلاً جديداً على أن (المملكة) تقفضد الإرهاب بكل جدية . كما بدأ النظام السعودي حملة مطاردة دولية لمئات منالأشخاص متهماً إياهم بالقيام بعمليات غسيل أموال وتهريب المخدرات والتخطيط لتنفيذعمليات إرهابية. كما علمت جريدةنيويورك بوست بأن (السعودية) قد استأجرت شركات دعائية كبيرة ومؤثرة من أجل تخفيفالصدمة التي تعرض لها الأمريكان أثر هجمات 11 / 9 . وحسب المجموعة التي كسبتالعقد، فقد استخدم السعوديون شركة (ساندلر اتوسينزي) والتي تعمل إلى (لجنةالجمهوريين الوطنية) لعرض إعلانات مرئية ـ بين البرامج ـ تظهر (المملكة) علىأنها حليف ضد الإرهاب. وقال (مايكل بيترو زيلو) المدير التنفيذي لشركة (كورفيس)المسؤولة عن هذه الحملة الدعائية، أن الشركة تستلم شهرياً مبالغ من(السعوديين) ولكن على الرغم من جهود هذه الشركة فقد رفضت عدة شركات تلفزيونية عرضهذه الشرائط الدعائية مثل شبكة (A&E)
 وشبكة(Weather ChanneL وذكرت شركة(كورفيس) أن من بين الزبائن العاملين في هذه الحملة الدعائية هو (توم دلاي) أحدأعضاء الكونغرس المؤيدين والمدافعين بشدة عن (إسرائيل). كما استأجرت الحكومة)السعودية) شركة (باتون بوكز) ذات التأثير والنفوذ الكبير بمبلغ مالي كبيرولمدة شهرين. ووقعت اتفاقية لمدة سنة واحدة مع شركة (هل ونولستن) العملاقة. كما دفعت (المملكة) حوالي مليونين ونصف مليوندولاراً إلى شركة (بورسون مارستيلر) الدعائية لنشر إعلانات دعائية (للمملكة) فيالصحف الأمريكية تتضمن تقديم التعازي لأهالي ضحايا الهجمات الانتحارية في 11/9 . وذلك بعد ثمانية أيام من الهجمات الانتحارية. كما دفع (السعوديون) مبلغ كبير  إلى السناتور السابق (جيمي كالاكر)  كما ذكرت صحيفة نيويورك بوست في عددها الصادر يوم 1/5/2002 مسيحي من أجل إبداء النصيحة والمشورةحول لقاءات المسؤولين (السعوديين) مع جورج بوش وبقية المسؤولين الأمريكان في مجلسالشيوخ والنواب الأمريكي. وتقول صحيفة الصنداي تايمز: ربما تعتقدون أنالعلاقات (الأمريكية ـ السعودية) أصبحت سيئة جداً ولكن حكام (المملكة) لديهم قدرةوبراعة فائقة في تسجيل أهدافهم. فقد وافقوا جميعاً على مشروع يهدف إلى إنقاذاقتصادهم ويجعله أكثر التصاقاً بالغرب بكلفة (25) مليار دولار. لقد طرح مشروع الغازالسعودي قبل أكثر من سنة بعد عدة سنين من المحادثات بصدده. إن أحد أهداف هذاالمشروع هو استغلال المخزونات الغازية الهائلة واستخدامه في المراكز الصناعيةوالمعامل من أجل إيجاد فرص العمل للشباب (السعودي).. ومن جهة أخرى إنها ترسل إشارةسياسية إلى واشنطن بأن الوريث (الشرعي للملك) العليل فهد هو في (جانبنا) وسيرحببالشركات الأمريكية في (المملكة). كما عمل الملك الحالي عندما كان وليا للعهد على كسب وداللوبي الصهيوني المؤثر في الولايات المتحدة، حيث قام عبد الله بن عبد العزيز بطرحما يسمى ب‍) مبادرة عبد الله للسلام) لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، يقولالكاتب جارلس كراوثامر: أن خطة السلام (السعودية) مناورة واضحة للتقليل من حدةالغضب الأمريكي بسبب الدور السعودي في هجمات 11 أيلول بالتظاهر كصانعي سلام ، هذا وقد استطاع عبد الله أن يفرض هذه المبادرة على رؤساء الأنظمة العربية في قمة بيروت،إلا أنها لم تجد نفعاً، فقد رفضها شارون عملياً عندما اجتاحت قواته المناطق التيتسيطر عليها السلطة الفلسطينية في اليوم الثاني من اعتماد هذه المبادرة من قبلمؤتمر القمة في بيروت، كما ركلها بوش عندما أعلن في خطاب له أنه في صدد دفع الأمورباتجاه قيام دولة فلسطينية مؤقتة في بعض المناطق الفلسطينية. وسفهها القائد معمر القذافي بمشروع دولة إسراطين كما هو وارد في الكتاب الأبيض . وعلى ضوء بعضالتصريحات التي أخذ يدلي بها سلطان وأخوه نايف بدفع من المؤسسة الدينية لإحراج عبدالله، اصدر الأخير أمراً بحصر التحدث باسم النظام بوزير الخارجية سعود الفيصل، حيثذكرت السفير أن وزير دفاع النظام السعودي (كشف عن قرار أصدره عبد الله يقضي بتعيين متحدث باسم المملكة.. وأوضح أن وزير الإعلام يختص بما يصدر من مجلس الوزراء من قرارات، فيما يعتبر وزير الداخلية نايفبن عبد العزيز متحدثاً باسم السعودية في كل ما يتعلق بأمن البلاد، على أن يختص وزيرالدفاع بكل ما يتعلق بالقوات المسلحة والعسكرية وأمن البلاد الخارجي، ويكون وزيرالخارجية سعود الفيصل المسؤول عن السياسة الخارجية)
الرأي العام فيالجزيرة حول فكرة التفتيت:  
       لا توجد هناك استفتاءات قد أجريت، أو يمكن إجرائهاداخل صفوف شعب الجزيرة، ولا توجد هناك أيضاً رغبة من أصحاب القرار في هذه المسألةلإجراء مثل هذا الاستفتاء لبقائهم، رغم الدروس التي مروا بها، تحت تأثير نظريةتهميش هذا الشعب، ولكن من المعروف أن أبناء الجزيرة الذين يمتلكون قيماً أصيلة، لايمكنهم أن ينزلقوا إلى مهاترات تقوم بين أعدائهم الحقيقيين سواء الولايات المتحدةأو النظام السعودي. فالمعركة الحالية هي معركة بين عميل وسيده، بين سيد يريد إنهاءعميله، وهذا العميل يتشبث بكل ما أوتي من قوة للحيلولة دون تنفيذ السيد لهذاالقرار. فأبناء شعب الجزيرة الذين حرموا من أبسط الحقوق الإنسانية، والتي تقرها كلالشرائع السماوية والوضعية، يعرف جيداً أن العقد الذي يربط النظام السعوديبالولايات المتحدة ما هو إلا عقد إجرامي بني على أساس نهب ثروات البلد، وسحق كرامةاعرق شعوب المنطقة، مقابل أن يتمتع الرأسمالي الأمريكي البشع، ويزيد من غطرستهوهيمنته على الشعوب المستضعفة، ومقابل أن يتمتع أفراد بني سعود، وأذنابهم بإشباعشهواتهم التي لا تشبع، وإدامة سلسلة بناء القصور التي لا تنتهي في جميع أنحاءالعالم، واقتناء الجواري من جميع الأجناس، ويبقى المواطن يعيش في بيت صفيح، وآخر لايجد ما يؤويه، تحت أقنعة التنمية والازدهار الكاذب للبلد، ولا يعرف ماذا يقول أمامإهانة محافظ نيويورك للوليد بن طلال عندما قدم هبة لمدينة نيويورك بملايين الدولاراتكتبرع للولاية بعد تفجيرات 11/9 فرفضها المحافظ، ولم يلتفت هذا إلى استغاثةامرأة من الشعب لا تجد من يدفع لها ثمن دوائها في بلد الغربة. هذا المواطن الذييعيش على مياه الآبار، لن يجد ما يقوله في هذه الحملة بين السيد والتابع، ولكنه،وهو الذي رفض المساومة على كرامته وكرامة أمته ، وقبل أن يعيش على الكفاف دون أن يكونأداة بيد النظام، لن يقبل أن تقوم الولايات المتحدة بتنفيذ مشاريعها التي تؤمنمصالحها من خلال ما ترتئيه هي، ولن يقبل للنظام أن يقدم المزيد من التنازلات علىحساب البلاد لبقائه في السلطة، فشروط التغيير قد نضجت في أرض الجزيرة ولم يبق إلاأن تبدأ المطحنة بطحن آخر هياكل الفساد فيها.